حين يتحوّل الغباء إلى سندٍ للسلطة!

فارس  دينو :

Ist möglicherweise ein Bild von Text    في رسائله من زنزانة سجن نازي كتب القس الألماني ديترش بونهوفر كلمات ما زالت تطرق أبواب وعينا كلما حاولنا فهم كيف يصمت الناس أمام الظلم وكيف يتحولون إلى حراس له لم يكن بونهوفر يتحدث عن غباء بمعنى نقص الذكاء بل عن حالة أعمق تنازل الإنسان الطوعي عن مسؤوليته في التفكير ضد الغباء نحن بلا دفاع كتب بونهوفر لأن الأدلة والحجج لا تجدي نفعاً مع من اختار ألا يرى

هذه ليست دعوة للتشاؤم بل محاولة لفهم آلية بقاء السلطات القديمة والجديدة في سوريا فالقوة وحدها لا تفسر كل شيء ما يفسر جزءاً كبيراً من استمرارية القمع وتحول الثورات إلى مآسٍ هو ذلك الرصيد البشري من الأغبياء الذين وصفهم بونهوفر بأنهم ليسوا أعداء للخير بدرجة الشرير بل أخطر منه

لا يعني الغباء في تأملات ديترش بونهوفر نقصَ الذكاء أو التعليم ولا يبرّر احتقار الناس أو تصنيفهم المقصود أقرب إلى تعطيل الحكم المستقل أن يتبنّى المرء شعارات الجماعة أو السلطة من غير تمحيص وأن يرفض الوقائع المخالفة لموقفه ثم يشارك عن قصد أو من دونه في تبرير الأذى الواقع على الآخرين وقد كتب بونهوفر هذه الأفكار في سياق صعود النازية وتجربته مع الاستبداد لا بوصفها قانوناً نفسياً ينطبق آلياً على كل مجتمع أو كل مؤيد لحاكم
بونهوفر لم يعتبر الغباء مرضاً فردياً بالنسبة له الغباء نتاج اجتماعي عندما تفرض بيئة سياسية أو دينية معينة إطاراً واحداً للتفكير وتعتبر أي خروج عنه خيانة فإن العدوى تنتشر في سوريا هذا ليس جديداً تحت حكم حافظ الأسد ثم بشار الأسد كانت الطاعة واجباً مقدساً والتفكير المستقل تهديداً أمنياً
في السياسة لا تحتاج السلطة إلى أن يقتنع الجميع بها اقتناعاً حقيقياً يكفي أحياناً أن يكرّر بعض الناس روايتها وأن يسكت آخرون خوفاً أو إنهاكاً أو طلباً للسلامة وأن يتحوّل النقاش من سؤال ماذا حدث إلى سؤال من يحق له أن يتكلم عندها يصبح التبرير بديلاً عن المحاسبة يُسمّى الانتهاك ضرورةً والنقد فتنةً ومطالبة الضحايا بالإنصاف تهديداً للاستقرار وقد يكون بعض المبرّرين مدفوعاً بالمصلحة أو الخوف أو الولاء فيما يصدّق آخرون الرواية السائدة لأنهم لا يملكون معلومات موثوقة أو لأن ضغط الجماعة يجعل التشكيك مكلفاً
بهذا المعنى لا يدافع هذا النمط من الغباء السياسي عن الحاكم بالكلمات وحدها إنه يساعد على بناء بيئة تقلّ فيها كلفة الخطأ على أصحاب السلطة تُهمَّش الأسئلة ويُشكَّك في الشهود ويُطلب من المتضررين أن يصمتوا كي لا يحرجوا جماعتهم وكلما عومل الولاء بوصفه دليلاً على الصواب صار من الأسهل أن تُحمى السلطة من النقد وأن يُحمَّل الناس العاديون مسؤولية ما لا يملكون القرار فيه
يدافع الأغبياء عن الحكام في سوريا
يمكن تتبع ثلاثة أشكال لهذا الغباء الدفاعي
الأول غباء الخوف فئة عريضة من الناس صمتت ليس اقتناعاً بل خوفاً بونهوفر يذكر أن الخوف من تحدي السلطة يدفع الناس إلى تجميد قدراتهم العقلية في سوريا هذا الخوف ليس وهمياً الاعتقال الاختفاء التعذيب كلها أدوات تجعل الصمت خياراً عقلانياً حتى لو كان خانعاً لكن الصمت يتحول بمرور الوقت إلى غباء فعلي حيث يبدأ الصامتون بإقناع أنفسهم أن لا بديل أو أن المعارضة انتحار
الثاني غباء المصلحة هنا يبرز بُعد جديد في نظرية بونهوفر يتصل بالسلطة الحديثة قوة الواحد تحتاج إلى غباء الآخر في سوريا توزعت المصالح الصغيرة على قاعدة هرم السلطة موظف يحصل على راتب مقاول يحصل على عقد ضابط يحصل على حصانة هؤلاء جميعاً يبررون النظام ليس حباً فيه بل لأن استمراره يضمن استمرار مصالحهم الصغيرة بونهوفر كان يفهم هذا الغبي يهاجم بشراسة عندما يُسائل لأنه لا يدافع عن النظام بل عن ذاته الصغيرة داخله
الثالث غباء الجماعة بعد سقوط بشار الأسد وصعود سلطة انتقالية بقيادة أحمد الشرع لم تختفِ هذه الآلية بل لبست ثوباً جديداً من كان يغني بالروح بالدم نفديك يا بشار صار يغني لسلطة جديدة بنفس اللغة ونفس الانصهار في الجماعة بونهوفر كان يصف هذه الظاهرة بدقة عندما يستسلم الفرد لـ تفكير الجماعة يصبح كلامه لا يتجاوز الشعارات والكليشيهات ويصبح غير قادر على تقييم من رفعهم إلى مرتبة المخلصين
لكن تطبيق الفكرة على سوريا اليوم يحتاج إلى دقة فالبلاد دخلت مرحلة انتقالية بعد سقوط نظام بشار الأسد ولا يصح التعامل مع الحكام في سوريا كأن الواقع السياسي بقي على حاله أو كأن السلطة الحالية مطابقة للنظام السابق وفي الوقت نفسه لا يعني تغيّر السلطة أن خطر الاستبداد قد زال
هذه الوقائع لا تثبت أن كل مؤيد للسلطة غبي ولا أن كل قرار حكومي شرير لكنها تذكّر بأن اختبار أي سلطة ليس خطاباتها ولا أسماءها بل قابليتها للنقد والمساءلة ومدى حماية القانون لحق الناس في الاعتراض وقدرتها على كشف الانتهاكات ومحاسبة المسؤولين عنها فالسلطة التي تطلب الثقة من الناس ينبغي أن تقبل الأسئلة وأن تقدّم الأدلة وأن تسمح للصحافة والمجتمع المدني بمراقبتها أما تحويل النقد إلى خيانة أو حصر الحقيقة في رواية رسمية واحدة فهو ما يفتح الباب أمام عودة الاستبداد أياً كان الشعار الذي يرفعه
لا تُدفع شرور السلطة بمزيد من الشتائم أو بإهانة الناس ووصفهم بالحمقى فهذا يعمّق الاستقطاب ويجعل كثيرين أكثر تمسكاً بمواقفهم المواجهة الأجدى تبدأ بفصل الأشخاص عن الأفكار والأفعال ننتقد التبرير ونطلب الدليل ونسمّي الانتهاك باسمه من دون أن نحكم على مجتمع كامل أو طائفة أو جمهور بأكمله
ضد الغباء نحن بلا دفاع لا الاحتجاج ولا القوة يجديا نفعاً لأن الغبي لا يرى الحجة أصلاً أن التحرر من الغباء يبدأ بـ التحرر الداخلي أي استعادة الفرد لمسؤوليته الشخصية في التفكير
مقاومة الذوبان في الجماعة ليس فقط الجماعة الموالية بل أيضاً جماعة المعارضة التي تتحول أحياناً إلى قيد جديد على العقل نوع من الحرية الداخلية التي تجعل الإنسان قادراً على أن يقول لا حتى عندما يقول الجميع نعم
دعم الفضاءات التعليمية والصحافة المستقلة وكل ما يعيد للإنسان قدرته على السؤال
وتبدأ أيضاً من عادات صغيرة لكنها مؤثرة التحقق من مصدر الخبر قبل نشره والتمييز بين الواقعة والاستنتاج والإشاعة وسماع شهادات المتضررين وتصحيح المعلومات المغلوطة علناً وعندما يكون ذلك آمناً تساعد الصحافة المستقلة والتوثيق المسؤول والمنظمات المدنية والنقابات والروابط المهنية على إبقاء النقاش العام مفتوحاً وعلى حفظ الأدلة اللازمة للمساءلة أما المطالب السياسية فتكون أمتن حين تتمحور حول قواعد مشتركة قانون يسري على الجميع قضاء مستقل حماية حرية التعبير والتجمع ومحاسبة عادلة لا انتقاماً جماعياً
وفي سوريا لا يمكن فصل هذا كله عن واقع الخوف والعنف والانقسام لذلك لا ينبغي مطالبة الناس بمخاطرة لا يقدرون عليها ولا اعتبار الصمت دليلاً تلقائياً على التأييد مقاومة الأذى تبدأ أحياناً بقول الحقيقة حيث يكون ذلك آمناً وبحماية الشهود والضحايا وبالامتناع عن نشر التحريض أو الشائعات وبالتضامن مع من يتعرضون للظلم أياً كانت هويتهم أو الجهة التي ظلمتهم

خلاصة فكرة بونهوفر ليست أن الناس الأغبياء هم العدو بل أن تعطيل التفكير المستقل يسهّل على أصحاب القوة استخدام الناس لتبرير ما لا ينبغي تبريره والجواب ليس الانتقام ولا الإقصاء، بل استعادة حق السؤال والتمسّك بالوقائع وبناء مؤسسات لا تعتمد على فضيلة الحاكم وحدها فحين يصبح النقد ممكناً والمحاسبة فعلية والكرامة متساوية تقل قدرة أي سلطة على تحويل الخوف أو الولاء إلى حصانة من المسؤولية

Weniger anzeigen

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *