القاتل الذي لا يحمل سكينًا:حين تُسرق لقمة الفقراء…

مروان صباح:
ماذا لو كان القاتل أقرب إليك مما تتخيّل؟⁣ في سلسلة "في بيتنا قاتل"، نقترب من عوالم مظلمة يعيشها أشخاص عاديون، وجدوا أنفسهم فجأة تحت سقف واحد مع قتلة، دون أن يدركوا حقيقةيا لها من عدالةٍ عجيبة ! تستنفر قواها حين تسقط جثة ، وتستيقظ الضمائر حين تُزهق روح ، لكنها قد تحتاج إلى آلاف من الألف الجائعين كي تفتح عينًا واحدة ، فالدم المسفوك جريمةٌ تستدعي العقاب ، أمّا لقمة الفقير ، حين تُنتزع من فمه بقرار أو احتيال أو فساد ، فقد تتحوّل إلى مجرّد خللٍ إداري ، أو خطأٍ في الحسابات ، أو ملفٍّ ينتظر أن يُنسى ، ويبدو أنّ الجريمة ، في بعض الأحيان ، لا تُقاس بما تخلّفه من ألم ، بل بمكانة مرتكبها وقدرته على ارتداء ثياب الوقار وإخفاء أصابعه في قفازات القانون ، كأنّ العدالة تحتاج إلى جثةٍ كي ترى الجريمة ، فيما يكفي الجاني أن يرتدي ربطة عنق حتى تبدو يداه نظيفتين !
لا يكاد أحد يختلف على أنّ قتل إنسان بريء جريمة تستوجب أشدّ العقاب ، لكنّ هذا الإجماع الأخلاقي يتصدّع حين ننتقل من انتزاع الروح إلى انتزاع أسباب الحياة ، فالجميع يدين القاتل الذي يواجه ضحيته ، لكنّ المواقف تضطرب حين يكون المعتدي مسؤولًا يعبث بالمال العام ، أو متنفّذًا يستغلّ حاجة الناس ، أو محتالًا يجعل من عوز الآخرين فرصةً للثراء ، هنا يبدو الضمير انتقائيًا ؛ يستيقظ حين لا تمسّ الجريمة مصالحه ، ويغفو حين يصبح الظلم مربحًا ، كأنّ من خصائصه أن يتكيّف مع ما يوافق الأهواء ، لا مع ما يمليه الحق ، والفارق أنّ القتل المباشر يترك جثةً تشير إلى الجريمة ، بينما قد تخلّف سرقة حقوق الناس آلاف الضحايا من دون أن تترك جثةً واحدة ، تتوزّع الخسائر على البيوت ، وتتوارى المسؤولية خلف الأرقام والتقارير والإجراءات ، ويغدو الفقر ، في نظر المتفرّجين ، قدرًا لا نتيجةً لظلمٍ يمكن مساءلة مرتكبيه ، وهكذا ، قد تتحوّل كثرة الضحايا من سببٍ لتضاعف الإدانة إلى وسيلةٍ لطمس معالم الجريمة ؛ فما لا نراه مجتمعين ، يسهل علينا أن نتجاهله مجتمعين .
لكنّ المال العام ليس أرقامًا صمّاء في دفاتر الدولة ، ولا لقمة الفقير تفصيلًا صغيرًا في حسابات الاقتصاد ، فالمبلغ الذي يُختلس قد يكون علاجًا لمريض ، أو مقعدًا دراسيًا لطفل ، أو فرصة عملٍ لشاب ، أو قوتًا تنتظره عائلة في نهاية يومٍ أنهكها العوز ، وحين تضيع هذه الحقوق ، لا تُسرق الأموال وحدها ، بل تُسرق معها فرص الحياة ، ويتحوّل الفساد من اعتداءٍ على الممتلكات إلى اعتداءٍ على الكرامة والاستقرار والمستقبل ، وقد لا يكون ذلك قتلًا بالمعنى القانوني ، لكنّ آثاره قد تبلغ من القسوة ما يجعل الحياة نفسها معركةً يوميةً ضد الحرمان ، وهنا تتكشّف المفارقة الأكثر إيلامًا : قد يُلاحَق من يرتكب جريمةً واضحة ، بينما تتعقّد مساءلة من تتوزّع أفعالهم بين مؤسسات ومصالح وأصحاب نفوذ ، وقد يجد الضعيف نفسه أمام القانون سريعًا ، فيما تحتاج محاسبة المسؤول إلى إرادةٍ مستقلة ، ورقابةٍ فاعلة ، وقضاءٍ لا ترهبه المناصب ولا تستميله الامتيازات ، ليست المشكلة أنّ العدالة عاجزة بطبيعتها ، بل أنّها تفقد معناها حين تختلف قدرتها على الوصول إلى الجاني باختلاف موقعه ؛ وحين يصبح القانون صارمًا أمام من لا يملكون وسيلةً للدفاع عن أنفسهم ، ومتردّدًا أمام من يستطيعون تطويق الحقيقة بالمصالح .
وفي هذا السياق ، تستحضر مجموعة غي دو موباسان «اعتراف القاتل وقصص أخرى» ذلك الجانب المعتم من النفس البشرية ، حيث تتشابك الدوافع الخفية مع المظاهر الاجتماعية ، وتتكشّف التناقضات الكامنة خلف الصورة التىّ يقدّمها الإنسان عن نفسه ، ومن هذا المنظور ، لا تكمن المفارقة في وجود الجريمة وحدها ، بل في قدرة مرتكبها على التعايش معها ، وفي قدرة المجتمع على التغاضي عنها حين تتخفّى وراء المكانة والنفوذ والمصالح ، ولعلّ السؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس فقط : كيف يرتكب الإنسان جريمته ؟ بل أيضًا : كيف يستطيع أن يواصل حياته مطمئنًا ، فيما يدفع الآخرون ثمنها ؟، فالقاتل الذي يواجه ضحيته قد يرى أثر فعلته في عينيها قبل أن يسلبها الحياة ، أمّا من يسرق حقوق الناس فقد لا يرى سوى توقيعٍ على ورقة أو رقمٍ في حساب ، وبين الفعل ونتيجته تتّسع المسافة التىّ يتوارى فيها الضمير ؛ فلا يسمع الجاني أنين المريض الذي حُرم العلاج ، ولا يرى الطفل الذي أُغلق باب المستقبل في وجهه ، ولا يلتقي العائلة التىّ اقتُطع قوتها من دون أن تعرف أين اختفى ، وقد يواصل حياته مطمئنًا ، لا لأنّ جريمته أقلّ ضررًا بالضرورة ، بل لأنّ ضحاياه بعيدون عن عينيه ، ولأنّ المجتمع لم ينجح في جعله يرى الصلة بين ما فعله وما حلّ بهم .
غير أنّ الرهان على تأنيب الضمير وحده لا يكفي ؛ فليس كلّ مجرم يندم ، ولا كلّ من يتسبّب في معاناة الآخرين يشعر بآلامهم ، فالضمير قد لا يموت دفعةً واحدة ، بل يتآكل بالتبرير ، ويبرد بالتعوّد ، حتى يصبح الظلم في نظر صاحبه إجراءً عاديًا ، ويغدو حرمان الفقراء شأنًا لا يستحقّ الالتفات ، وعندئذٍ لا تكون المأساة في ارتكاب الجريمة فحسب ، بل في القدرة على التعايش معها ، ثم النوم مطمئنًا كأنّ شيئًا لم يحدث ، لهذا ، لا تُبنى العدالة على انتظار صحوةٍ أخلاقية قد لا تأتي ، بل على قضاءٍ مستقل ، ومؤسسات رقابية فاعلة ، وشفافيةٍ في إدارة المال العام ، ومحاسبةٍ لا تستثني صاحب نفوذ ، ومجتمعٍ يرفض أن تتحوّل معاناة الفقراء إلى مشهدٍ مألوف ، فحرمة الحياة لا تكتمل بحماية الجسد وحده ، كما أنّ صون الحقوق لا ينتقص من خطورة القتل ؛ إنّما تقتضي العدالة أن نميّز بين الجرائم من دون أن نتسامح مع الظلم لمجرّد أنّه لا يترك وراءه جثة .
في النهاية ، ليس أخطر القتلة دائمًا من يتركون خلفهم جثةً ، بل أولئك الذين يتركون خلفهم حياةً تُستنزف ببطء ، ثم يمضون من دون أن يلتفتوا إلى ضحاياهم ، فالجثة تكشف جريمةً يصعب إنكارها ، أمّا لقمة الفقير المسروقة فقد تظلّ دليلًا صامتًا على جريمةٍ يتواطأ الجميع على عدم رؤيتها ، وهنا تبلغ السخرية مداها : قد يحتاج الفقير إلى إثباتٍ طويل كي يقنع العالم بأنّ حقّه قد سُلب ، بينما يكفي صاحب النفوذ أن يُحسن صياغة التبرير حتى يبدو كأنّه لم يرتكب شيئًا .
وحين يصبح الجوع مألوفًا ، والحرمان أمرًا عاديًا ، والمساءلة استثناءً ، لا يكون الضمير قد فقد حساسيته فحسب ، بل تكون العدالة نفسها قد بدأت تأكل من معناها ، فيما يتعلّم المجتمع كيف يتعايش مع الجريمة بدلًا من مواجهتها .

فليس كلّ قاتل يحمل سكينًا ، وليس كلّ ضحيّة تُدفن ؛ بعض الضحايا يواصلون الحياة ، لكنّ أحدًا لا يسمع صراخهم ، ولا يرى ندوبهم ، ولا يدرك كم مرّة ماتوا وهم يحاولون النجاة ، والسلام على من قُتلوا ألف مرّة ، ولم يجرؤوا يومًا على إعلان موتهم ، والسلام على قلوبٍ نجت من الموت ، ولم تنجُ من الحياة… 🙋‍♂️   ✍️  

See less

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *