إعادة هندسة الشرق الأوسط بعد حرب اليمن: قراءة تحليلية في استراتيجية السعوديةوإقحام الحوثيين …

مروان صباح :
الغرب يحاول إلى تقسيم الشرق الأوسط في كاريكاتير عمانى - اليوم السابع      أي محلل أو مراقب سيتوقف عند دلالات إقحام الحوثيين في مواجهة مباشرة مع السعودية وفي توقيت إقليمي دقيق ، وتحديدا وبعدّ خسائر محور المقاومة والضغوط على إيران ، تنطلق هذه السطور من أن التوقيت عامل حاسم ، وأن الرياض انتقلت من ضبط النفس إلى إعادة تشكيل البيئة الإقليمية ، وستناقش ثوابت الرياض في التطبيع ، وموقع القضية الفلسطينية ، ومخاطر الانزلاق الطائفي ، والتحولات في الرأي العام الأمريكي ، وتخلص إلى أن إعادة هندسة المنطقة لم تعد حصراً على القوى الكبرى ، وأن الخطأ في التوقيت يفرض كلفة استراتيجية .
بالفعل ، تشهد المنطقة إعادة ترتيب واسعة للتحالفات بعد سنوات من الصراعات ، وفي هذا السياق ، يبدو إقحام الحوثي في مواجهة مباشرة مع السعودية في هذا التوقيت قراراً غير حكيم ؛ إذ يتجاهل موازين القوى الجديدة والخسائر التىّ لحقت بمحور المقاومة ، لم تعد الرياض تتعامل مع التهديدات وفق منطق الحرب المحدودة ، بل وفق منطق إعادة تشكيل قواعد الاشتباك ، والسؤال المركزي : كيف يمكن قراءة هذا التصعيد في ضوء التحولات الإقليمية والدولية؟ ، وخصوصاً مع الخسائر التىّ تلقتها جبهة المقاومة على مستوى القيادات والعتاد والامتداد الجغرافي ، وبعد الضربات الجوية والحصار على إيران بهدف تركيعها اقتصادياً ، بدا وكأن هذه الوقائع أسهمت في إخراج المارد السعودي من صبره الاستراتيجي ، وهذه المرة لن يعود إلا واليمن كله تحت قبضته ، أو على الأقل لن يجد الحوثيون مكاناً يختبئون فيه سوى الجبال ، وهذا يعني أن السعودية تنتقل إلى مرحلة ما بعد تثبيت نظام الشرع في سوريا ، واتفاق مكة ، والتفاهم مع مصر لمعالجة ملف السودان والسيطرة على الساحل الأفريقي إلى ملف اليمن الذي كان ومازال هو الهاجس الحقيقي لها ، إذنً ، لم تعد إعادة هندسة المنطقة خارج نطاق الدول الإقليمية التقليدية .
كانت الخطوة السعودية الأولى الرفض القاطع لأي تطبيع مع إسرائيل خارج إطار المبادرة العربية ، وقد رفضت الرياض موخراً ، بعد حادثة طائرة فلاي دبي ، العرض الإسرائيلي عبر واشنطن للمشاركة في العمليات ضد الحوثيين وتوفير قاعدة بيانات لحظية ، ومع إخفاق المنظومة الدفاعية ووصول الصواريخ إلى المطارات ، أدركت القيادة السعودية أن تل أبيب تحاول استثمار الارتباك لفرض علاقات دبلوماسية وعسكرية واستخباراتية ، إلا أن ولي العهد يدرك أن مثل هذه المواجهة تتطلب إظهار الثبات في القضية الفلسطينية ، وهو موقف شعبي رافض لأي علاقات مع كيان متهم بإبادة الفلسطينيين ، بل السعودية تقود العجلة من موقع مرتاح لعملية اليمن والترتيبات في سوريا والسودان ؛ لأن لديها في الحد الأدنى ثلاثة جيوش يمكن أن توفر لها ما يتعلق بالحرب : باكستان وتركيا ومصر ، بل إن الرياض تنظر اليوم إلى دولة الاحتلال ، بعد ثلاثة أعوام ، على أنها هي من تحتاج إلى من يساعدها ، لكن هذا لا يعني أن جدار الدفاعات السعودية لا يحتاج إلى إعادة دراسة أسباب اختراقه ، وهي اختراقات تعرضت لها إسرائيل أيضاً من الصواريخ الإيرانية التىّ دفعت تل أبيب إلى الإسراع بوقف الحرب .
يبقى ما حذرنا منه : هو انتقال المواجهات بين إيران وميليشياتها وإسرائيل إلى حرب طائفية لا تنتهي إلا وقد أحرقت الأخضر واليابس ، فالتصعيد الذي يقوده وئام وهاب من لبنان ، والدفاع عن حكمت الهجري والذي الأخير يعتبر عقائدياً ارتباطه بالدولة العبرية ، ثم إعلانه العلني أن للدروز في سوريا حق إبرام علاقات مع الجيش الإسرائيلي ، لا يعدو أن يظهر ما ستأتي به الأيام المقبلة ، رغم أن مثل هذه التصريحات لا تجد طريقها إلى الأغلبية في سوريا ولبنان ، ومع هذا ، يظهر المقابل النقيض ، بات المواطن الأمريكي ينظر إلى العلاقة مع إسرائيل نظرة سلبية ؛ فهو يحمّل سياسات بلاده الخارجية تدهور الملفات الداخلية ، بسبب الإنفاق على حروب إسرائيل ، وارتفاع أسعار السلع بسبب مضيق هرمز ، ويرى أن سبب ذلك هو استمرار الاحتلال في الاستيلاء على الأراضي الفلسطينية ، والتغييرات في القدس والجولان ولبنان ، وما تعرض له قطاع غزة من إبادة جماعية ، بل إن الانقسامات الداخلية في الولايات المتحدة باتت جوهرها إسرائيل ، وفي المقابل ، تظهر أصوات يهودية أمريكية ترى أن دولة الاحتلال هي النقيض الحقيقي للقيم التىّ تؤمن بها ، أو لما تعرض له اليهود من النظام النازي ، فكيف يُعقل أن يُطلب من الذين تعرضوا للإبادة التعاطف ثم يرتكبوا إبادات بحق الفلسطينيين؟

تتكشف المفارقة بين من يبحث عن الأمان في الجبال ، ومن يبحث عنه في المطارات ، ومن يوقّع اتفاقيات لا تحمي إلا الموقّعين عليها ، إن إعادة هندسة المنطقة ليست لعبة خرائط ، بل صراع ذاكرة وديموغرافيا وشرعية ، ومن يظن أن السعودية ستُستدرج إلى حروب الآخرين ، أو أن إسرائيل ستفرض تطبيعاً من تحت رماد غزة ، سيكتشف أن الشرق الأوسط لا يمنح أحداً هدنة تاريخية ، أما الرياض ، فخيارها الصعب بين أن تكون دولة إقليمية كبرى تعيد ترتيب جوارها حسب الامن القومي العربي ، أو أن تبقى رهينة أزمات يصنعها آخرون ، وفي الحالتين ، لن يكون اليمن مجرد ساحة ، ولا فلسطين مجرد ملف ، ولا الدم الفلسطيني بنداً قابلاً للتأجيل … والسلام 🙋‍♂️ ✍️  

Weniger anzeigen

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *