من كتاب انتكاسة المسلمين إلى الوثنية: التشخيص قبل الإصلاح للمفكر والناقد الإسلامي الدكتور سيد القمنيأعراض عصابية سيكوباتية شديدة الاستعصاء، أصابت القيم الأخلاقية عند المسلمين في مقتل، وهي لون من المسلَّمات التي لا دليل على صدقها في الواقع، بل إن الواقع ينفيها ويكذِّبها، مسلَّمة تقوم على ما يشبه الاعتقاد الديني، وهو أن الإسلام تحديدًا من بين كل أديان الأرض سماوية وأرضية المعبِّر الصحيح عن القيم الأخلاقية، وأن غير المسلم هو بلا أخلاق بالضرورة، لكونه غير مسلم فقط.
مشكلة المسلم مع القيم شديدة التعقيد؛ فهو يقيم مناهجه القيمية على عقائد دينية، ولأنه يعتقد أن عقيدته وحدها هي ما تملك الأخلاق الذي يلازم تمامية المعرفة بالضرورة. لكن ذلك تحديدًا هو ما يجعله يفترض بالضرورة أن غير المسلم لا يملك معرفة سليمة، كذلك هو بالضرورة لا يملك أخلاقًا سوية حتميًّا، وكان سلب القيم الأخلاقية عن العدو وما زال سلاحًا فعَّالًا في الحرب النفسية لتجييش من يظنون أنهم الأبرار والأطهار ضد الأشرار، فيتم تنجيس وتبخيس الغير أولًا حتى يكون الضمير مرتاحًا عند قتل هذا الغير في عقيدة الجهاد، يكون قد استحق مصيره وشن الحرب عليه وقتاله وقتله.
ولهذه الأسباب تحديدًا، وعلى مثل هذه العقائد بالذات وبالتخصيص، قامت حروب الفتن الإسلامية وحروب الفتوحات التي حصدت ملايين المسلمين وغير المسلمين (حوالي مليون ونصف مليون إنسان خلال السنوات الأربع الأولى من الفتوح خارج الجزيرة في زمن كان المليون إنسان رقمًا هائلًا بحسب تعداد المجتمعات حينذاك)؛ لأن هذه الحروب قامت على اعتقاد بامتلاك المسلمين للحقيقة النهائية في فهم الدين والدنيا، ثم امتلاك كل طرف مسلم في حروب الفتن للحقيقة التامة، وأنه وحده من يملك قيمًا أخلاقية، في مقابل اعتقاد الطرف الآخر للاعتقاد ذاته في قيم أخرى مخالفة تقوم على فهم آخر للإسلام، فكانت قيمًا ذاتية تتأسس على الهوى وليس لها في الواقع معيار محدد يثمِّنها بالإيجاب أو بالسلب، من يحدد القيمة ويصنعها هو شخص صانعها وعادة ما يكون هو القوي المنتصر. هذا رغم أن العالم حينذاك كان قد اكتشف القيم الموضوعية «الإكسيولوجية» منذ فلاسفة اليونان قبل الإسلام بقرون وأزمان، وتواضع الفلاسفة على ثلاث قيم مطلقة لا يختلف حولها اثنان، لذلك هي موضوعية يفهمها الكل بكل وضوح، وهي: الحق والخير والجمال. لكن الإسلام لم يظهر لا في أثينا ولا في روما، وإنما في فيافي الحجاز، وخاطب الناس في هذه البوادي القاسية بلسانهم وفهمهم ومعارفهم وقيمهم وليس بمعارف الأعاجم وقيمهم.
كانت القيم الذاتية في الجاهلية الأولى هي الشأن الطبيعي في ثقافة العربي؛ لأنه لو طبَّق القيم الغيرية كالكرم والإحسان لمات في بواديه جوعًا، فكانت القبائل تتحرك في البوادي بحثًا عن خيرها الضنين، فتتقاتل عليها قتالًا صفريًّا لا توجد فيه موائد صلح ولا مبادرات سلام، فإما قاتلًا وإما مقتولًا، فتقتل القبيلة من تقدر عليه من القبيلة المهزومة، وتستولي على ما تملك جميعًا عيون الماء والسوائم والمتاع، وتبقي من البشر على من يمكن الاستفادة منه فقط لأن له فمًا يأكل، فيجب أن يكون لوجوده ضرورة، وعدم وجوده أفضل؛ لذلك كانت العبودية عمودًا من أعمدة المجتمع البدوي من فجر تاريخه، بينما لم تعرف مصر مثلًا نظام العبودية طوال تاريخها إلا عندما دخلها الهكسوس، ولم يرتقِ العرب إلى التواضع على قيم كالكرم والوفاء بالوعد والصدق في القول إلا مع الاستقرار المدني لمكة، التي تحولت إلى مركز تجاري ترانزيتي، ثم أمسكت بعنان تجارة العالم إبان الحرب السبعينية بين إمبراطورتي الفرس والروم، وفرضت مصالح التجارة وضرورة سيولتها وسلامتها التي تعود بالنفع على الجميع، ضرورة توافق العرب على قيم النخوة والمروءة والأمانة والنجدة والإجارة والكرم والوفاء بالعهد، وكان ذلك تحديدًا إبان العصر الجاهلي الثاني منبع كل فضائل العرب، والذي انتهى بظهور الإسلام والعودة بالعرب إلى قيم الجاهلية الأولى حيث قيم الغزو والسلب والنهب والسبي والحرب الصفرية.
وهو الأمر الذي تعبر عنه رواية ابن عبد ربه في عقده الفريد (ج٥، ص١٣٢) عن صحابة لرسول الله جلسوا يتذاكرون الجاهلية الأخيرة مقارنين بينها وبين زمن الصحابة، قيل لبعض أصحاب رسول الله ﷺ فما كنتم تتحدثون به إذا خلوتم في مجالسكم؟ قالوا: كنا ننشد الشعر ونتحدث بأخبار جاهليتها. وقال بعضهم: وددت أن لنا مع إسلامنا كرم أخلاق آبائنا في الجاهلية، ألا ترى عنترة الفوارس جاهليًّا لا دين له، والحسن بن هانئ مسلمًا له دين، فمنع عنترة كرمه ما لم يمنع الحسن بن هانئ دينه، فقال عنترة في ذلك:
وأغض طرفي إن بدت لي جارتي حتى يواري جارتي مأواها
فقال الحسن بن هانئ مع إسلامه:
كان الشباب مطية جهل ومحسن الضحكات والهزل
والباعثي والناس قد رقدوا حتى أتيت حليلة البعل
قامت حروب الفتن الإسلامية على اعتقاد كل فريق بصوابتيه المطلقة، فيخوض حربًا صفرية ضد الطرف الآخر، وكانت الحرب الصفرية إبادة تامة بمعنى الكلمة، وهو ما تمثل في إبادة بيوت بأسرها كما في أبشع مثال مخزٍ في تاريخنا إبادة آل بيت الرسول حتى قتلوا الأطفال الرضع، ثقافة أكلت بيت مؤسسها، وتمثلت أيضًا في حروب الفتوح حيث تمت إبادة ممالك بأسرها مثل مملكتي الغساسنة والمناذرة اللتين انتهتا من الوجود في الجغرافيا وفي التاريخ، وكانت ممالك عربية، لا فارسية، ولا رومية.
حرب العربي إما كل شيء، وإما لا شيء، من النهر إلى البحر ولو فني الجميع؛ لأنه لا يرى الآخر مطلقًا ولا حق لهذا الآخر في الحياة، فهذه مفاهيم حديثة لم تكن قد وُجدت في القرن السابع الميلادي بعد في مجتمعات البداوة، التي لم تعرف لا قوانين روما ولا فلسفة الأخلاق اليونانية ولا ديمقراطية أثينا، ولم توجد في بلادنا حتى اليوم لأننا ما زلنا نعيش في القرن السابع الميلادي بعد، بل حوَّلنا بلادنا إلى القبلية العنصرية الطائفية المتناحرة، زيادة في الإخلاص حتى نعيش المكان نفسه والزمان نفسه عند خير القرون. وبقيم ذلك الزمان، وهي القيم التي تحتاج إلى دراسة متأنية مستفيضة؛ لأنها الموجِّه لسلوك المسلم اليوم وتصرفاته، وتقف وراء تفكيره وأهدافه، لبحث مدى تأثير هذه القيم إن إيجابًا أو سلبًا، في عملية الهدم والبناء الضرورية في عملية الإصلاح المرتقبة
