صمتُ العقلاء , حين يصير السكوتُ لغةً للمعرفة …

مروان صباح :

الصمت يعزّز صحّتك - جريدة الجريدة الكويتية       في مرحلة العقل ، يصبح الاستدلال سمةً راسخةً لدى الإنسان ؛ إذ تكون المناهج والبراهين المنطقية والعلمية والثقافية والأدبية قد استوطنت وعيه ، وهو ما يوفّر له انضباطية واضحة في مواجهة ما هو عشوائي في الكلام ، بل إن الصمت ليصبح جزءاً من تركيبته الفنية في التعامل مع عقول الآخرين ، إلى درجة أن الكثيرين يعتقدون بأنه جاهل ، غير أن هذه العقول ، على العكس من ذلك ، تتحوّل الناس لديها إلى كتبٍ تُقرأ أثناء تحدّثهم ؛ فالقراءة لا تحتاج إلى كلام ، بل إن المتكلّم هو من يتحدّث — إذا كان على قدرٍ من الوعي — حتى يجيبه الواعي .

تقوم هذه المقاربة على أطروحةٍ مركزية واحدة : أنّ الصمت ليس غياباً للكلام ، بل هو شكلٌ من أشكال المعرفة ، ومن هذه الفرضية تتفرّع وجهة النظر من ثلاثة مستوياتٍ متدرّجة : الصمت بوصفه فعلَ قراءةٍ (المستوى الذاتي)، والصمت بوصفه موقفاً وجودياً (المستوى الأدبي) ، والصمت بوصفه قراراً حرّاً (المستوى التاريخي) ، حيث تبدأ هذه السطور من ملاحظةٍ دقيقة : أنّ الفارق جوهري بين من يقرأ وهو يجلس في غرفةٍ بمفرده لمفكرين وروائيين وفلاسفة وعلماء ويحاورهم بصمت ، ومن يصمت أمامهم دون أن يحاورهم ، فيعتقدون أنه جاهل ، فالأول صامتٌ لأنه يقرأ ، والثاني صامتٌ لأنّه لا يقرأ ، وهنا تتكشّف واحدةٌ من عظمة الكتب القديمة أو الحديثة : أنها تستقطب القارئ حتى لو كان أصحابها أمواتاً ، فتبقى الحوارات قائمةً بين الخبرة والأسئلة والثقافة والمخاوف والتجارب ، وعليه ، فإن المفكّر يميّز ما بين ما هو ثمنٌ وما هو إعياء ، ولهذا تظلّ مقولة محمود درويش : “لم أكن أعمى ، كنت أرى الحقيقة” دالّةً على أن الإنسان يدرك ما حوله من خيانات ومواقف وتحوّلات وألم — وهو ما يمنح المقولة قوّةً اعترافية بأن الصمت ليس لأن الجهل يحول بينه وبين الحقيقة ، وإنما الانحياز أحياناً للصمت بوجهها هو وعيٌ بالحقيقة ، طالما أن الصامت يعرف أكثر مما يعتقد الآخرون .

يندرج هذا الطرح ضمن الأدب الفكري التأمّلي (Reflective Essay)، وهو نوعٌ أدبي يوظّف اللغة لمساءلة الوعي الإنساني ، ويراوح بين المقال الفلسفي والنص الإبداعي ، فيجعل من الفكرة عالماً قائماً بذاته ، ومن الصمت موضوعاً للتحليل لا مجرّد فراغٍ في الكلام ، ويكاد يكون هذا المعنى هو جوهر رواية «الصمت» (Chinmoku) للكاتب الياباني شوساكو إندو (1966)، وهي من أشهر الروايات العالمية التىّ جعلت من الصمت موضوعاً وجودياً لا مجرّد غيابٍ للكلام ، تحكي الرواية قصة مبشّرٍ برتغالي ، سباستيان رودريكس، يسافر إلى اليابان في القرن 17 ليتحقّق من أخبار مرشدِه الذي يُشاع أنه ارتدّ عن إيمانه تحت وطأة التعذيب ، وهناك يواجه أسوأ ما يمكن أن يواجهه إنسان : صمت الله أمام عذاب المؤمنين ، يُجبر رودريكس على أن يدوس على صورة المسيح — وهو رمز الارتداد — في مشهدٍ مركزيٍّ تتجلّى فيه أعظم معاني الصمت في الرواية ، وحين يستمع إلى صوت المسيح يقول له : “دُسْ ! أنا أعرف ألم قدميك أكثر منك ، دُسْ على وجهي”، يدرك أن الصمت لم يكن غياباً ، بل كان حضوراً على نحوٍ أعمق من الكلام ، وهنا يتجلّى ما يشبه مقولة درويش : لم يكن الصمت جهلاً بالحقيقة ، بل كان وعياً بها ، وهكذا يتحوّل الصمت في الرواية من علامةٍ على العجز إلى شكلٍ من أشكال المعرفة ، ومن استسلامٍ إلى مقاومةٍ صامتة .

ينتقل الصمت من الذات إلى التاريخ ، حيث يحتفظ لنا التراث بواحدةٍ من الصمتيات الفريدة والخالدة ، تجسّدت في اللقاء الذي تواجهت فيه المادية والروحية دون موعدٍ مسبق : الإسكندر الأكبر يمثّل السلطة ، والفيلسوف ديوجين يمثّل الحرية ، وهذا اللقاء لا يُستحضر لأنه حكاية من التراث اليوناني الساخر ، بقدر ما يظهر حجم الصورة المتصادمة بين السلطة والحرية ، والاستسلام الكامل للمادة والاكتفاء بالذات ، ولأن الإسكندر كان يعتقد — حسب تعاملاته مع البشر — بأنهم جميعاً خاضعون لمنطق الحاجة والطلب ، وأن السلطة قادرة على منح كل شيء ، جاءت المفاجأة من ردّ ديوجين وبشكلٍ بسيط : لقد طلب من الاسكندر فقط التنحّي جانباً لكي لا يحجب عنه نور الشمس ، وهنا تظهر مدرسة الصمت من وعي صاحبها ؛ فلم يحتج ديوجين إلى خطابٍ طويل ، بل إلى صمتٍ مكتنزٍ بالمعنى ، أوجز فيه كل فلسفته في الحرية والاكتفاء .

تتأسّس هذه القراءة على فرضيةٍ واحدة : أنّ الصمت ، بمعانيه الثلاثة ، ليس فراغاً ولا جهلاً ولا استسلاماً ، بل هو لغةٌ موازية للكلام ، وأحياناً أصدق منه ، وعلى المستوى الذاتي ، هو فعلُ قراءةٍ وحوارٍ صامت مع العقول ، وعلى المستوى الأدبي ، هو موقفٌ وجوديٌّ يعبّر عن حضورٍ أعمق من الكلام ، كما تجلّى في رواية إندو ، وعلى المستوى التاريخي ، هو قرارٌ حرٌّ يوجز فلسفة كاملة ، كما فعل ديوجين أمام الإسكندر ، لهذا السبب ، أهمُّ تغيُّرٍ يحدث في الصمت ؛ إذ إن الحياة الجهرية تجعل الناس يتعاملون غالبًا مع ما هو موجود وساكن وثابت ، ولهذا فإن مفهوم التطور لدى الصامتين مستمدٌّ في جوهره من قوله تعالى : {كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ} ، وقوله : {وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ} – الآية الأولى من سورة الرحمن ، والثانية من سورة الذاريات.

فعندما استقام العقل والقلب ، استقام اللسان ، وهو ما يجمع بين تأمّلات درويش ، وصمت رودريكس في رواية إندو ، وصمت ديوجين أمام الإسكندر : إنه وعيٌ بالحقيقة ، لا هربٌ منها …والسلام 

هوامش

1 – شوساكو إندو (1923–1996) : روائي ياباني ، يُعدّ من أبرز الكتّاب اليابانيين في القرن العشرين، وروايته «الصمت» (Chinmoku) صدرت عام 1966، وتُرجمت إلى العربية بعنوان «الصمت».

2 – ديوجين الكلبي (توفي 323 ق.م): فيلسوف يوناني من مدرسة الكلبيين ، اشتهر بزهده وتحرره من السلطة ، ويُروى أن الإسكندر زاره وسأله أن يطلب ما يشاء، فقال له : «تنحَّ قليلاً ، فإنك تحجب عني الشمس».

3 – محمود درويش: شاعر فلسطيني (1941–2008)، والمقولة المذكورة تُنسَب إليه في سياق حديثه عن الوعي بالحقيقة رغم الألم .

See less

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *