طواحين الهواء والكرش : في سوسيولوجيا الاستحمار الحداثي

مروان صباح:

حوار... شكيمة البهيم     قراءة في تناقضات الوعي الجمعي مستلهمة من “دون كيشوت” لثيربانتس …

 تمهيد : في وهم الفروسية المعاصرة ، “قد ينكر الكثيرون أن الاستحمار ليس فناً عميقاً ، فالغريب أن الاستحمار يحتاج إلى تعلم طويل ، عكس الفطنة التىّ تتطلب يقظة ووعياً كبيرين ” ، تلك الجملة ، التىّ تصلح مدخلاً لأنثروبولوجيا سياسية نادرة ، تضعنا أمام مفارقة جوهرية : فالوعي ليس نتاجاً تلقائياً للمعرفة ، بل هو نتاج صراع دائم مع المعرفة ذاتها ، فبينما تظن الجماهير أن التعلّم كافٍ للتحرر ، حيث يخبرنا التاريخ أن أكثر المجتمعات تحصيلاً للشهادات قد تكون أكثرها استسلاماً للخطاب الجاهز ، وأكثرها غرقاً في “استحمار حداثي” يرتدي ثياب التقدم ، كما أرتدى ” دون كيشوت ” درعاً صدئاً ليحارب طواحين الهواء ، ظاناً أنها عمالقة ، وفي رواية ميغيل دي ثيربانتس (1605)، لا يعدو الفارس الهائم أن يكون نموذجاً سامياً للوعي المُسْتَحْمَر : فهو ليس جاهلاً ، بل على العكس ، هو قارئ نهم ، لكن قراءته للعالم كانت عبر عدسات مشوهة ، جعلته يرى في التفاصيل اليومية ملاحم كبرى ، وفي الخراف حقائق مطلقة ، وهكذا يفعل الاستحمار الحداثي بأصحابه : يعبئ العقول بالمعرفة ، لكنه يسلب القدرة على نقد تلك المعرفة ، فيتحول المتعلم إلى متفرج ، والناقد إلى مهرج ، والمثقف إلى دون كيشوت جديد .
نمضي إلى أبعد من ذلك ، وفي رحلة تأريخية للدلالات ، نذّكر بقول الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه بمقولته الشهيرة : “البِطْنَةُ تُذْهِبُ الفِطْنَةَ”، ثم نعرج على العرف الجاهلي حيث كان “مَسْحُ البطن” يُعتبر فطنة ، لأن الكرش كان يعتبر تشبّه بالمرأة الحامل ، وهو ما كان يمثل انتقاصاً من رجولة الرجل وفاعليته ، لكن السؤال الذي يطرحه النص بقوة : كيف تحول ذلك “العار” إلى “وسام”؟ كيف صار الكرش في ثقافتنا المعاصرة رمزاً للهيبة والجاه والثراء ، وكيف تردد الأمثال الشعبية الساخرة : “الرجل بلا كرش كالبيت بلا عفش”؟ ، هذا الانقلاب الدلالي ليس مجرد تحول في الأذواق ، بل هو مؤشر على تحول في أنظمة القيم ذاتها ، فالمجتمع الذي كان يقيس الرجل بفطنته وحركته ، صار يقيسه بثباته وامتلائه ، أي بقدرته على الاستهلاك لا على الإنتاج ، وبقدرته على الركون لا على الحركة ، وهنا يكمن جوهر الاستحمار السياسي : عندما تُقدّس السكونية ، وتُصبح الفاعلية مهددة ، فإن الشعوب تصبح قابلة للقيادة بسهولة ، لأنها لم تعد تبحث عن الحقيقة ، بل عن المزيد من الطعام والاطمئنان ، ثم أن معادلة لافتة تشير : “ليس كل ذكي فطناً ، لكن كل فطن ذكي” ، وهي معادلة تخلق فجوة معرفية بين القدرة على التكيف (الذكاء) والقدرة على النقد (الفطنة) ، فالذكي قد يكون بارعاً في حل المشكلات داخل النظام القائم ، لكن الفطن هو من يستطيع رؤية النظام نفسه كإشكالية ، وهذا هو الفرق بين المتعلم والواعي : فالمتعلم يقبل المعرفة الجاهزة ، بينما الواعي يصنع أدواته لتفكيكها ، وهنا نعود إلى دون كيشوت : لقد كان ذكياً في تفاصيله ، لكنه كان أفْقَدَ الفطنة في كليّاته ، لقد كان يتقن قواعد الفروسية ، لكنه كان عاجزاً عن قراءة عصره ، وكذلك مجتمعاتنا اليوم ، تغرق في استهلاك الخطابات الإعلامية والسياسية المعلبة ، وتظن أنها تمارس حرية الرأي ، بينما هي تمارس فقط “ثرثرة مشروعة” ضمن حدود مسموحة ، بل “فاعلو البرامج التلفزيونية في الأغلب لا يصنعون وعياً ، بل يعززون الثرثرة والحكايات الفارغة والتفاهات ، لدرجة أنهم يبعدون الناس عن معارف تؤدي إلى الحقائق ” .
ربما تكون أكثر فقرات النص إثارة للدهشة هي المقارنة بين الاستحمار والقمع ، حيث يرى أن الاستحمار أخطر بكثير من القمع ، لأن القمع يمنح المقموع وعياً بقيده ، فيولد لديه الرغبة في التحرر ، بينما الاستحمار يمنح المستحمر وهم الحرية ، فيظن نفسه طليقاً وهو معلق في شبكة من الأوهام ، وهذا ما يفسر لماذا الشعوب المستعبدة ثقافياً قد تكون أكثر استقراراً من الشعوب المقموعة سياسياً ، لأن الأول يرى نفسه في نعيم ، بينما الثاني يرى نفسه في سجن ، وهنا تبرز خطورة ما يسمى “الاستحمار الحداثي” الذي يتفوق في خطورته على الاستحمار البدائي ، لأن الأول يأتي معبأً في قوالب رفاهية : إعلام ناعم ، استهلاك مفرط ، فراغ معرفي ، وشعور زائف بالمشاركة ، وفي المقابل ، كان الاستحمار البدائي أكثر خشونة ، لذا كان أقل خداعاً ، إن الاستحمار الحداثي ، كما يصوره الواقع ، هو ” دون كيشوت ” الذي لا يكتفي بمحاربة الطواحين ، بل يبني حولها نظرية فلسفية تبرر هجومه ، ويجعل أتباعه يرددون : “نحن أحراراً ، ونحن نعلم”.
بل إذا انتقل المرء من الوصف إلى التشخيص ، فيقرّ بأن الاستحمار قد حوّل الدين من منقذ من الهلاك إلى كبسولات تخديرية ، أي من خطاب تحرري ثوري إلى أداة تهدئة وتبريد ، وهذه ليست مجرد قراءة لاهوتية ، بل قراءة سياسية عميقة ، لأنها تشير إلى كيف يمكن للأدوات الأكثر قدسية أن تُسخّر لخدمة الاستقرار الوهمي ، ثم ينتقل إلى الإعلام ، لكي يؤدي الدور نفسه ، لكن بثوب حداثي : فهو لا يقدم وعياً ، بل يقدم جرعات يومية من الانشغال الزائف ، تجعل المواطن مشغولاً بالتفاهات ، بعيداً عن الحقائق الكبر ، وهنا يكمن الفخ الأكثر دهاءً : أن يعتقد الفرد أنه بمجرد قراءة الخبر أو مشاهدة التحليل أو سماع الرأي ، فإنه قد تحرك خارج “نطاق ما صُنع مسبقاً” ، لكن الحقيقة ، بأن هذا مجرد وهم ، لأن كل هذه المدخلات صُنعت خصيصاً لتبقيه داخل الدائرة ذاتها.
في النهاية ، يطرح النص سؤالاً وجودياً على القارئ : كيف الخروج من دائرة الاستحمار دون الدخول في دائرة القمع ؟ كيف يمكن امتلاك الفطنة دون أن يكون المجتمع ثائرين هدامين ، وواعين دون أن يكون متشائمين؟ ، ربما يكون الجسر هو النقد الذاتي المؤسسي ، أي تحويل الفطنة من صفة فردية إلى ممارسة جمعية ، بحيث تصبح المجتمعات قادرة على مراجعة مسلماتها ، وتهشيم كروشها الرمزية ، واستبدالها بعقول ناقدة ، فإن دون كيشوت مات عاقلاً في نهاية الرواية ، بعد أن تخلى عن وهمه ، لكن مجتمعاتنا لا تزال تحارب طواحينها ، ظانة أنها تحرر وطناً ، والفارق بين الرجلين ، أن ” دون كيشوت ” كان وحيداً ، بينما الاستحمار بات جماعة ، وكلما كبرت الجماعة في وهمها ، صار الخروج منه أصعب ، لكنه ليس مستحيلاً .

فالفطنة ، ليست هبة ، بل هي جهد متواصل في عدم الاستغراق في التقاليد ، حتى لو كانت تلك التقاليد تدعى “حداثة”، وعدم السكون أمام المسلمات ، حتى لو كانت تلك المسلمات تدعى “علماً”… والسلام 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *