ما بيطار , جورج بنا:
قادت الهزائم التي مني بها مشروع اقامة دولا عربية عسكريا وسياسيا واقتصاديا وثقافيا وحرية الخ الى ولادة ارتكاس قاصر تمثل بالاحباط ويأس أوساط شعبية واسعة , الاحباط كان بديلا قاصرا عن النقد والموضوعية ,ومع الاحباط واستمرار الهزائم ولد عند البعض تحولات وفرضيات وتطورات كان هدفها الالتفاف على المسؤولية الذاتية ,والقاء هذه المسؤولية على الغير المتآمر ورفض قراءة اسباب الهزيمة الحقيقية , ومن هذه التحولات كانت ولادة اتجاهات تقشفية مثل الصوفية على اختلاف أشكال فهمها وخواصها ثم العدمية وغيرهم .
تم تحميل الغير المسؤولية الافتراضية عن الفشل, ثم محاولة معاقبة الغير بتكفيره , ثم اللجوء الى الغيبيات في تفسير اضطرابات الحياة ,اضافة الى كل ذلك كانت هناك نزعة العودة الى الماضي او الحنين الى الماضي وإضفاء الأسطرة الايجابية من مجد وعزة وكرامة وهمية عليه ,بدو ن التمكن من البرهنة النظرية على حقيقة تلك الأمجاد أو حتى نفيها, الا أن النتائج ترجح النفي !.
بعد كل هزيمة عربية ولد نوعا من الثقافة القائمة على استحضار العجائب والمعجزات والأمل بالأنبياء الذين سيعملون على هزيمة الأعداء , فمن ينصر الله ينصره هذا الله, والبرهان على ذلك كانت نصرته للمؤمنين في غزواتهم , وكأن انتصار المحتلين الغزاة اقتصر على المؤمنين , فهلاكو انتصر والبدوية انتصرت بدون ايمان , اذ عندما بدأت البدوية بالغزو لم يكن لها دين , وقراءة الشهادتين كان تعبيرا عن ايمان شكلي دجلي لفظي منافق , فمعظم قراء الشهادتين ارتدوا عن الدين بعد وفاة ابن عبد الله , بالنتيجة كانت حروب الردة , التي اودت بحياة عشرات الألوف من البشر,استمر التحارب بين الفئات الدينية لاحقا, ولم تكن تلك الحروب أقل ضراوة من حروب الردة .
استمرار التحارب يعني استمرار الفشل , واستمرار الفشل تسبب باضطرابات نفسية جماعية , منها الحنين للماضي , الذي تم تبريره بافتراض كون هذا الماضي كان مجيدا , وتكفي العودة اليه والى اساليبه وممارساته لبعث المجد من جديد , ولكن ذلك الماضي لم يكن مجيدا , وحتى افتراض كونه كان مجيدا لايعني أن نقله الى الحاضر يحقق المجد ,فالوصول الى المجد يتطلب وسائل, واستعمال وسائل الماضي في الحاضر يعني زرع الماضي في الحاضر , أي الاعتماد على الجمل والناقة في التنقل والتداوي ببول البعير والتحارب بالسيف الخ يؤكد مرضية تلك الحالة , فاستحضار التأخر هو النقيض من الأمجاد , وتسمية حزب باسم البعث هو استحضار جلي للتأخر المتمثل ببعث الماضي البعيري من جديد , لاشك بأن البعض حصر النقل ” بالمجد ” كمنتج وليس باستخدام وسائل الماضي ,ولكن الغالبية العظمى لم تحصر النقل بتحقيق الأمجاد فقط انما باستخدام وسائل الماضي , التي لاتنتج سوى نسخة طبق الأصل عن ذلك الماضي , الذي كان أصلا تعيسا , واعادة استخدام وسائل انتاجه في الحاضر ستفرز وضعا اشد تعاسة مطلقة ونسبية من ذلك الماضي .
أعطى الطب النفسي لظاهرة الحنين الى الماضي ومحاولة اعادة انتاجه اسم مرض أو متلازمة النوستالجيا, التي عملت انظمة القهر السلطوي القاصرة على توسيع انتشارها , أي توسيح اننتشار المرض النفسي المتصف عموما بخبل الحنين الى ذلك الماضي البدائي ,لأنظمة القهر السلطوي مصلحة في انتشار كل أنواع الخبل , لأن الخبل الشعبي يساعد هذه الأنظمة على الاستمرار في الوجود الاستغلالي السياسي والمادي ,ثم توفر هذه الأنظمة على نفسها عناء مراجعة برامجها , التي أثبت الواقع ان الزمن تجاوزها ولم تعد صالحة سوى للرمي على مزابل التاريخ , الذي يرفض “التحنيط” المستمر والتحول الى صنم ,الحل حسب رغبة تلك الانظمة هو اصابة الجميع بجائحة النوستالجيا الممثلة لسد أمام التقدم ومشنقة للعقول ووكرا لجرابيع التعفن وتنكرا للحداثة , التي لايمكن ان توجد في ثنايا الماضي , خاصة ذلك الماضي , الذي كان في زمانه عقيم كالصحراء التي وجد بها .
عمليا يمكن للتقدم ان يولد من رحم الهزيمة كما حدث للعديد من المجتمعات مثل المانيا واليابان وحتى امريكا بعد الحرب الأهلية , لكن التقدم لايستقيم مع بقاء التسلط السلطوي على كرسي الحكم , لذلك سعى التسلط السلطوي الى افشال اي تقدم , وبالتالي ضمان ايقاء المحكومين في حالة النوستالجيا الأفضل للتأخر والأسوأ للتقدم والمريحة للتسلط السلطوي الاستبدادي , وهذا ما حدث ليس على يد القهر السلطوي المدني كالعسكر فقط , انما بالشراكة والدعم الفعال من المؤسسات الدينية , التي ائتلفت مع العسكر السلطوي احيانا بهدف تقاسم الغنيمة , واحيانا تحاربت مع العسكر بشراثة من أحل الغنيمة , ما جمع المؤسسات الدينية ورجالها مع التسلط الاستبدادي العسكري كانت حصص الغنائم, وما أزم العلاقة بينهما كان الاختلاف على حصص الغنائم !, ازمان حالة الاستغلال والهيمنة من قبل تنائي العسكر -الدين جذر خاصة الادمان على التأخر في نفوس الناس , والتأخر تمثل بالانسداد والعقم والابتعاد عن الحداثة , كل ذلك تحقق بالانشداد الى الماضي والحنين اليه اي ما تسمى النوستالجيا !!!
Post Views: 5