من مجتمع الفئران إلى غابة الأسود: شقاء الوعي السياسي العربي …

مروان صباح :
كاريكاتير : بشار أسد الفار اللاجئ | بلا رتوششخصياً ، وفي زمن انتشار مسلسل «العرّاب»، كنت ، مثل الأغلبية الساحقة ، مأخوذاً بالإخراج والممثلين والعمل برمته ، لكن شخصية مايكل كورليوني بقيت ، بالنسبة إليّ، أكثر من مجرد شخصية درامية ؛ لأنها قدّمت نموذجاً مكثفاً لفكرة القوة حين تتخلى عن استعراضها ، لم يكن مايكل بالضرورة الأذكى بين رجال المافيا ، لكنه كان الأخطر ، لم تكن هيبته في المسدس الذي يحمله ، وإنما في عينيه ، وفي صمته ، وفي قدرته على جعل الآخرين يدركون أن القرار قد اتُّخذ قبل أن يُنطق به ، لم يكن بحاجة إلى رفع صوته كي يثبت نفوذه ؛ فالصمت ، في بعض الأحيان ، يكون أكثر بلاغة من التهديد ، ومن هنا يمكن أن نبدأ الحديث عن السياسة ، فليس كل من خرج من مجتمع الفئران أصبح أسداً ، وهذه ، ربما ، واحدة من أكثر الحقائق قسوة في السياسة العربية الحديثة ، لقد اعتدنا أن ننظر إلى الخروج من الاستبداد ، أو من التبعية ، أو من الخوف ، باعتباره انتصاراً بحد ذاته ، لكن التاريخ يقول شيئاً أكثر تعقيداً : إن إسقاط القفص لا يعني امتلاك القدرة على إدارة الغابة ، قد يخرج الإنسان من الخضوع ، لكنه لا يمتلك بالضرورة أدوات السيادة ، وقد يرفض السلطة القديمة ، لكنه لا يعرف كيف يبني سلطة جديدة أكثر عدلاً ، وقد يثور المجتمع على حاكمه ، لكنه لا يكون قد أنتج بعدُ مؤسسات قادرة على حماية الثورة من أن تتحول إلى نسخة أخرى من النظام الذي ثار عليه ، وهنا تكمن إحدى المآسي الكبرى في التجربة السياسية العربية : أننا كثيراً ما تعاملنا مع إسقاط الأشخاص بوصفه مرادفاً لإسقاط النظام ، ومع كسر الخوف بوصفه مرادفاً لبناء الحرية .
لكن الدولة ليست شخصاً ، والاستبداد ليس وجهاً واحداً ، والسلطة ليست مجرد قصر أو رئيس أو جهاز أمني ؛ إنها شبكة معقدة من المصالح والمؤسسات والولاءات والثقافة السياسية ، تمتد من أعلى هرم الدولة إلى تفاصيل الحياة اليومية ، ولهذا فإن تغيير الحاكم قد يكون أسهل بكثير من تغيير منطق الحكم ، وربما لهذا السبب تبدو استعارة الفئران والأسود أكثر فائدة من كونها مجرد صورة أدبية ، فالفأر لا يحتاج إلى امتلاك الغابة ؛ يكفيه أن يجد مكاناً آمناً يختبئ فيه ، وهو لا يسأل كثيراً عن شكل العالم ما دام يستطيع النجاة داخله ، أما الأسد ، فلا يستطيع أن يعيش بالطريقة نفسها ؛ لأنه مطالب بأن يحتل موقعاً ، وأن يدافع عنه ، وأن يحافظ على صورته في أعين الآخرين ، وفي السياسة ، هناك مجتمعات تعلّمت ، عبر عقود طويلة ، كيف تعيش داخل القفص أكثر مما تعلّمت كيف تدير الحرية ، لقد نشأت أجيال كاملة على الخوف من السلطة ، وعلى الحذر من السياسة ، وعلى اعتبار الصمت نوعاً من الحكمة ، والابتعاد عن الشأن العام وسيلة للنجاة ، وفي مثل هذه البيئات ، يصبح المواطن ، مع الوقت ، خبيراً في تفادي الأذى أكثر من كونه شريكاً في صناعة القرار ، وهنا تتحول السياسة إلى علاقة بين سلطة تعرف كيف تحكم ، ومجتمع يعرف كيف يتجنب العقوبة ، لكن المشكلة تبدأ عندما ينكسر الخوف ، ففي اللحظة التىّ يكتشف فيها المجتمع أنه قادر على قول «لا»، يتغير شيء جوهري ، غير أن قول «لا» هو بداية السياسة وليس نهايتها ، وهنا تظهر الفجوة ، فالمعارضة تستطيع أن تكون قوية في رفضها ، لكنها قد تكون ضعيفة في تصورها لما بعد الرفض ، والثورة تستطيع أن تمتلك شجاعة إسقاط القديم ، لكنها قد لا تمتلك المعرفة الكافية لبناء الجديد ، والنخب التىّ تعارض السلطة قد تتحول ، حين تصل إليها ، إلى نسخة أخرى منها إذا لم يتغير فهمها العميق للسلطة نفسها ، وهكذا يمكن أن يتحول الأسد الذي خرج من القفص إلى حارس جديد للقفص ، وهذه ليست مشكلة عربية فقط ، لكنها في العالم العربي أكثر وضوحاً بسبب تاريخ طويل من ضعف المؤسسات ، وغياب التداول المستقر للسلطة ، وتداخل الدولة مع الشخص ، والحزب مع الزعيم ، والوطن مع النظام .
وهنا يعود المتنبي ، ليس لأنه مهماً لنا فقط لأنه شاعر فريد ، بل لأنه يمثل نموذجاً نادراً للإنسان الذي لم يكن مستعداً للعيش داخل الحدود التىّ رُسمت له ، كان يريد أكثر من مكان آمن ، كان يريد الاعتراف ، والمجد ، والمكانة ، وأن تتطابق صورته عن نفسه مع ما يراه الآخرون فيه ، ولذلك يبدو بيتُه : «ذو العقل يشقى في النعيم بعقلهِ وأخو الجهالة في الشقاوة ينعمُ» ، فهو أقرب إلى وصف سياسي للإنسان العربي المعاصر مما يبدو لأول وهلة ، فالوعي السياسي ليس نعمة خالصة ، إنه يوقظ الأسئلة التىّ كان يمكن للجهل أن يتركها نائمة ، يجعل الإنسان يرى الفارق بين ما هو كائن وما ينبغي أن يكون ، يريه تناقضات السلطة ، وازدواجية الخطاب ، وفشل المؤسسات ، وتفاوت الفرص ، واستحالة أن يستمر الواقع القديم من دون أن يدفع ثمن استمراره ، لكن الوعي ، إذا لم يجد مؤسسةً تحتضنه ، أو حركةً سياسيةً تنظمه ، أو مشروعاً تاريخياً يحوله إلى فعل ، قد يتحول إلى شقاء خالص ، وهنا يصبح المثقف العربي ، في كثير من الأحيان ، أكثر شقاءً من المواطن الذي قرر ألا يعرف ، إنه يرى المشكلة ، لكنه لا يستطيع حلها ، يعرف أن النظام السياسي يحتاج إلى إصلاح ، لكنه لا يعرف من أين يبدأ ، يعرف أن المعارضة عاجزة ، لكنه لا يجد بديلاً ، يعرف أن المجتمع يريد الحرية ، لكنه يرى أيضاً خوفه من تبعاتها ، إنه يعيش داخل تناقض دائم بين وضوح الرؤية وعجز الإرادة ، وهذا هو العقل الشقي في السياسة ، لكن المشكلة لا تنتهي عند المثقف أو المعارض ، فالسلطة نفسها تقع في الشقاء ذاته ، وإن كان من نوع آخر ، فالسلطة التىّ تبني شرعيتها على الخوف تصبح أسيرة للخوف ، وكلما ازدادت خشيتها من فقدان السيطرة ، ازدادت حاجتها إلى السيطرة ، وكلما توسعت أدواتها الأمنية ، ازداد قلقها من المجتمع الذي تحكمه ، وهكذا يدخل الحاكم في الحلقة نفسها التىّ أدخل إليها خصومه ، يخشى المعارضة ، فيقمعها، فتزداد سريتها ، فيزداد شكه بها ، فيزداد قمعه ، وهكذا تتحول الدولة إلى نظام يعيش على إنتاج الخطر الذي يخشاه ، وهذه هي المفارقة : السلطة التىّ تريد القضاء على الخوف قد تصبح أكثر الأطراف خوفاً .
ومن هنا تصبح صورة مايكل كورليوني أكثر تعقيداً ، فالقوة الصامتة قد تكون أكثر فاعلية من القوة الصاخبة ، لكن المشكلة السياسية تبدأ حين تتحول القوة إلى غاية بذاتها ، فالسلطة التىّ لا تحتاج إلى الصراخ قد تكون أكثر قوة ، لكنها ليست بالضرورة أكثر عدلاً ، والدولة التىّ تستطيع أن تفرض الصمت على الجميع قد تبدو مستقرة ، لكن الصمت ليس دائماً استقراراً ؛ أحياناً يكون مجرد خوف مؤجلاً ، ولهذا يجب ألا ننخدع بهيبة السلطة ، فالهيبة شيء ، والشرعية شيء آخر ، والقوة شيء ، والقدرة على بناء دولة شيء آخر ، والخوف الذي يمنع الناس من الاعتراض لا ينبغي أن يُسمى استقراراً ، فإن الدولة القوية ليست الدولة التىّ يخافها مواطنوها ، بل الدولة التىّ يثقون بها حتى عندما يختلفون معها ، وهنا تحديداً يفشل كثير من التفكير السياسي العربي ؛ لأنه ما زال يخلط بين الدولة والسلطة ، وبين النظام والاستقرار ، وبين الصمت والرضا .
وفي الجهة الأخرى ، لا يمكن للمعارضة أن تعفي نفسها من المسؤولية ، فالخروج من مجتمع الفئران يحتاج إلى أكثر من الشجاعة ، يحتاج إلى معرفة ، والمعرفة تحتاج إلى تنظيم ، والتنظيم يحتاج إلى مؤسسات ، والمؤسسات تحتاج إلى ثقافة سياسية تقبل الاختلاف ، والاختلاف يحتاج إلى الاعتراف بأن الخصم السياسي ليس بالضرورة عدواً يجب التخلص منه ، وهنا تكون المشكلة الحقيقية في المجتمعات التىّ اعتادت السياسة فيها أن تكون صفراً أو واحداً: إما أن تحكم ، أو تُحكم ؛ إما أن تنتصر بالكامل ، أو تُسحق بالكامل ، بينما السياسة الديمقراطية ، في جوهرها ، هي القدرة على العيش مع حقيقة أكثر تواضعاً : أن لا أحد يمتلك البلد وحده .
ولعل هذا هو المكان الذي يصبح فيه استحضار بيتر هاندكه أكثر أهمية ، في الشقاء العادي ، لا يأتي الشقاء دائماً من حدث عظيم ، قد يأتي من الحياة نفسها ، من تفاصيلها اليومية ، من المسافة بين الإنسان وما كان يتوقعه من العالم ، وهذا ما يمكن إسقاطه ، بحذر ، على السياسة أيضاً ، فالمجتمعات لا تعيش فقط مآسي كبرى ؛ إنها تعيش كذلك خيبات صغيرة متراكمة ، وعدٌ لم يتحقق ، إصلاح تأخر ، انتخاب لم يغير شيئاً ، معارضة لم تستطع أن تصبح بديلاً ، حكومة جديدة أعادت إنتاج اللغة القديمة ، جيل كامل ينتظر مستقبلاً لا يأتي ، ومن هذه التفاصيل الصغيرة يتشكل ، مع الوقت ، نوع من الشقاء السياسي اليومي ، لا ينهار المجتمع دفعة واحدة ، وإنما يتعب ، وهذا التعب أخطر أحياناً من الانفجار ، لأن الإنسان حين يغضب قد يثور ، أما حين يتعب فقد ينسحب ، وحين ينسحب المواطن من المجال العام ، تترك السياسة مرة أخرى للذين يعرفون كيف يستخدمونها لمصالحهم .
ولذلك فإن السؤال العربي اليوم ليس فقط : كيف نخرج من مجتمع الفئران؟ ، بل : ماذا سنفعل بعد الخروج؟ هل نريد أسود جديدة تحكم الفئران؟ ، أم نريد مجتمعاً لا يحتاج إلى أسود أصلاً؟ ، وهذا ، في تقديري ، هو الفارق بين تغيير السلطة وتغيير السياسة ، تغيير السلطة يستبدل الأشخاص ، أما تغيير السياسة فيعيد تعريف العلاقة بين الفرد والدولة ، وبين الحاكم والمحكوم ، وبين الأغلبية والأقلية ، وبين المعارضة والسلطة ، في الحالة الأولى ، قد يتغير القصر كما صار في سوريا ويبقى القفص ، أما في الحالة الثانية ، فإن القفص نفسه يصبح غير قابل لإعادة البناء ، ولعل جذور المسألة أقدم من السياسة الحديثة نفسها ، فمع انتقال الإنسان من الصيد والجمع إلى الزراعة ، حدث التحول الحضاري الكبير من العيش في الحاضر إلى التفكير في المستقبل ، لم يعد الإنسان يبحث عن طعامه في يومه فقط ، بل أصبح عليه أن يزرع اليوم كي يحصد غداً ، صار عليه أن يراقب النجوم ، ويحسب المواسم ، ويخزن الفائض ، ويحمي الأرض ، وينظم العمل ، ويضع قواعد الملكية والتبادل ، وهكذا وُلد شيء أساسي في الإنسان السياسي : القدرة على تأجيل الحاجة من أجل مشروع أكبر ، لكن هذه القدرة نفسها حملت معها القلق ، فمنذ أن أصبح للإنسان مخزون ، أصبح لديه ما يخسره ، ومنذ أن امتلك الأرض ، أصبح لديه ما يخشى عليه ، ومنذ أن عرف المستقبل ، أصبح قلقاً منه ، ومنذ أن بنى الدولة ، أصبح مضطراً إلى التفكير في السلطة ، ومنذ أن عرف السلطة ، بدأ الصراع عليها ، وهكذا ، فإن الحضارة لم تُلغِ الشقاء ؛ لقد أعادت تنظيمه .
ربما لهذا كله تبدو المسافة بين المتنبي وهاندكه ومايكل كورليوني أقل اتساعاً مما نظن ، فالمتنبي يقول لنا إن العقل قد يشقي صاحبه ، وهاندكه يذكّرنا بأن الشقاء قد يصبح جزءاً من الحياة اليومية ، من دون أن يحتاج إلى مأساة كبرى ، ومايكل كورليوني يعلّمنا أن القوة الحقيقية لا تحتاج دائماً إلى الصراخ ، أما السياسة العربية فتضع أمامنا السؤال الأصعب : ماذا يحدث عندما يصبح مجتمع كامل أكثر وعياً من مؤسساته ، وأكثر طموحاً من نخبه ، وأكثر تعباً من سلطته ، لكنه لا يمتلك بعد الأدوات اللازمة لتحويل هذا الوعي إلى مشروع؟ ، هنا يبدأ الشقاء السياسي ، وهنا أيضاً يبدأ الأمل ، لأن الوعي ، مهما كان مؤلماً ، يظل الخطوة الأولى ، لكن الوعي وحده لا يكفي ، نحتاج إلى تحويله إلى مؤسسات ، والمؤسسات إلى قواعد ، والقواعد إلى ثقافة ، والثقافة إلى ممارسة سياسية ، وإلا فإننا سنظل ندور في الدائرة نفسها : نخرج من قفص ، ثم نبني قفصاً آخر ؛ نسقط أسداً ، ثم نبحث عن أسد جديد ؛ نلعن السلطة ، ثم نعيد إنتاجها حين تتاح لنا الفرصة ، وربما تكون المهمة الحقيقية أمام المجتمعات العربية ليست أن تتحول من الفئران إلى الأسود ، بل أن تتجاوز هذه الثنائية كلها ، أن تبني غابة لا تحتاج فيها إلى أسد كي تحمي الفئران ، ولا إلى فئران كي تمنح الأسد معنى قوته ، فالمجتمع الحر ليس مجتمع الأسود .
إنه المجتمع الذي تصبح فيه القوة خاضعة للقانون ، والاختلاف ممكناً ، والسلطة مؤقتة ، والإنسان أكبر من موقعه السياسي ، وعندها فقط ، ربما، يتحول الوعي من شقاء إلى مسؤولية ، ومن القلق إلى مشروع ، ومن الرغبة في النجاة إلى رغبة في بناء حياة تستحق أن تُعاش ، فالمشكلة لم تكن يوماً في أن الإنسان أراد أن يصبح أسداً.

المشكلة تبدأ عندما ينسى الأسد أنه يعيش داخل غابة مشتركة ، وأن الغابة ليست ملكاً له … والسلام 🙋‍♂️

See less

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *