مروان صباح :
في تاريخ الفكر الإنساني ، لا تكمن أهمية بعض الأفكار في الإجابات التىّ قدمتها ، بل في قدرتها على فتح أسئلة جديدة ظلت تتناسل عبر القرون ، وكلما دخل الإنسان في أزمة كبرى ، عاد السؤال القديم نفسه بوجوه مختلفة : من أين يبدأ فهم الإنسان؟ من داخله أم من العالم الذي يعيش فيه؟ من الروح والفكرة ، أم من الواقع والمادة ؟، قد يبدو السؤال فلسفيًا في ظاهره ، لكنه في جوهره سؤال سياسي واجتماعي أيضًا ؛ لأن الطريقة التىّ نفهم بها الإنسان تحدد الطريقة التىّ ننظر بها إلى المجتمع والسلطة والاقتصاد والأخلاق ، بل وحتى إلى مفهوم الحرية نفسه ، ولعل واحدة من أقدم صور هذا الصراع يمكن العثور عليها في الجدل الذي أحاط بالحلاج ، حيثتُنسب إلى الشيخ عبد القادر الجيلاني عبارة شهيرة في شأن محنة الحلاج : «لو كنت في وقت أزمة الحلاج لانتشلته من أزمته» ، وبصرف النظر عن مدى دقة الرواية تاريخيًا ، فإن العبارة تحمل قيمة فكرية لأنها تلخص ، بصورة مكثفة ، واحدة من أكثر الإشكالات حساسية في التجربة الصوفية : ماذا يحدث عندما تتجاوز التجربة الروحية اللغة التىّ يستطيع المجتمع الديني قبولها؟ ، حين قال الحلاج : «أنا الحق»، لم يكن الخلاف مجرد خلاف لغوي ، فقد فهمت عبارته في سياق الشطح الصوفي والوجد والفناء ، بينما رأى فيها بعض الفقهاء تجاوزًا للحدود العقدية ، لا سيما أن «الحق» من أسماء الله الحسنى ، وهنا ظهر الخلاف بين تجربتين في فهم الحقيقة ، الأولى ترى أن الإنسان قد يبلغ في تجربته الروحية حالة يصبح فيها التعبير عن الذات مختلفًا عن اللغة المألوفة ، وهو يندرج في سياق الرمزية الشعرية ، والثانية ترى أن التجربة الفردية ، مهما بلغت ، لا يمكن أن تصبح فوق النص والضابط العقدي والشرعي ، في هذا المعنى ، لا يمثل الحلاج مجرد شخصية صوفية مثيرة للجدل ، بل يمثل لحظة يصبح فيها الداخل الإنساني أقوى من قدرة اللغة العامة على استيعابه .
أما الجيلاني ، فكان يمثل اتجاهًا مختلفًا : ليس رفض الروح ، وإنما ضبطها ؛ ليس إلغاء التصوف ، وإنما إبقاؤه داخل العلاقة مع الشريعة ، كان السؤال عنده ، بصورة مبسطة : كيف يمكن للباطن أن يبلغ أقصى مداه دون أن ينفصل عن الظاهر؟ ، ومن هنا تبدأ أولى صور الصراع بين المدرستين ، لكن هذا الصراع لم يبقَ حبيس المجال الديني ، بعد قرون ، انتقل السؤال نفسه إلى أرض الفلسفة الأوروبية ، وإن تغيرت لغته وأدواته ، مع هيغل، أصبحت الفكرة والوعي والجدل عناصر أساسية لفهم حركة التاريخ ، لم يعد التاريخ مجرد سلسلة من الوقائع ، بل أصبح حركةً تتطور من خلال التناقض والصراع والتحول ، كان هيغل يرى العالم من خلال حركة الفكرة والوعي المتصوف ؛ بينما جاء ماركس ليقول ، بصورة جوهرية ، إن علينا أن ننظر إلى الإنسان وهو يعيش ويعمل وينتج ويتصارع داخل شروط مادية واجتماعية محددة ، ومن هنا جاءت عبارته الشهيرة عن هيغل : لقد كان يقف على رأسه ، وأعاده ماركس إلى الوقوف على قدميه ، وهذه العبارة لم تكن مجرد انقلاب على أستاذ فلسفي ، وإنما كانت إعلانًا عن انتقال مركز الثقل من الفكرة التىّ تفسر الواقع إلى الواقع الذي يفسر تشكل الأفكار ، وهنا ، للمرة الثانية ، يظهر السؤال نفسه ، فهل الوعي هو الذي يصنع العالم؟ ، أم أن العالم الذي نعيش فيه هو الذي يصنع جزءًا كبيرًا من وعينا ؟، ومن السهل أن نضع هيغل وماركس في ثنائية مبسطة : الأول مثالي ، والثاني مادي ، لكن هذه القراءة لا تكفي لفهم عمق التحول الذي أحدثه ماركس ، فالرجل لم يهدم هيغل بالكامل ، وإنما أخذ منه الأداة التىّ وجدها أكثر أهمية : الجدل ، احتفظ بالتناقض والحركة والصراع والتحول ، لكنه نقلها من عالم الفكرة المجردة إلى عالم العلاقات الاجتماعية والتاريخية والمادية ، وهنا تظهر نقطة شديدة الأهمية في فهم المدارس الفكرية : فالثورات الفكرية الكبرى لا تبدأ دائمًا بإحراق ما سبقها ، بل تبدأ أحيانًا بإعادة استخدامه ضد نفسه ، وهذا ما فعله ماركس مع هيغل ، وهو ، بصورة مختلفة تمامًا ، ما فعله الجيلاني مع التجربة الصوفية ، فالجيلاني لم يكن يريد إلغاء الروح ، وإنما أراد أن يمنعها من التحول إلى سلطة منفصلة عن الشريعة ، وماركس لم يكن يريد إلغاء الجدل ، وإنما أراد أن يمنعه من البقاء أسيرًا لعالم التجريد .
كلاهما ، إذنً ، حاول إعادة الفكرة إلى المجال الذي يمكن أن تصبح فيه فاعلة ، ومن هنا نستطيع أن نرى الشخصيات الأربع لا باعتبارها أربعة أسماء متفرقة ، بل باعتبارها أربع محطات في رحلة طويلة للسؤال عن الإنسان ، فالحلاج يمثل لحظة الانطلاق من الداخل : من الروح ، والوجد ، والتجربة الفردية ، والجيلاني يمثل لحظة ضبط الداخل وربطه بالنص والواقع الديني والاجتماعي ، وهيغل يمثل انتقال السؤال إلى الفلسفة : من التجربة الروحية إلى حركة الفكرة والوعي والتاريخ ، وماركس يمثل لحظة نقل السؤال إلى الواقع المادي : إلى العمل والإنتاج والطبقات والصراع الاجتماعي ، وهكذا يتحول تاريخ الفكر من قصة شخصيات إلى قصة تحول في مركز تفسير الإنسان ، من الروح إلى الفكرة ، ومن الفكرة إلى الواقع ، لكن هذا الانتقال لم يكن إلغاءً كاملًا لما سبقه ، بل كان إعادة تعريف له.
ولعل الأدب هو الذي يمنح هذه الفكرة وجهها الإنساني الأكثر وضوحًا ، في رواية «أوليفر تويست»، يضع تشارلز ديكنز أمامنا طفلًا لا يملك تقريبًا أي قدرة على التحكم في الشروط التىّ ولد فيها ، يتيم ، فقير ، محاط بمؤسسات قاسية ، ثم يجد نفسه في عالم الجريمة والاستغلال ، لكن السؤال الذي يطرحه ديكنز ليس فقط : هل أوليفر صالح أم فاسد؟ ، إنه سؤال أكثر عمقًا : ما الذي يحدث للإنسان عندما يولد داخل واقع لا يمنحه فرصة عادلة لكي يكون ما يريد؟ ، هنا يقترب الأدب من جوهر السؤال الماركسي دون أن يتحول إلى كتاب فلسفة ، فالفرد لا يعيش في فراغ ، ووعيه لا يتكون في الفراغ ، واختياراته لا تحدث دائمًا في فضاء حر بالكامل ، هناك مجتمع ، واقتصاد ، وأسرة ، ومؤسسات ، وطبقات ، وسلطة ، وثقافة ؛ وكلها تشارك بدرجات مختلفة في تشكيل المجال الذي يتحرك داخله الإنسان ، لكن ديكنز لا يلغي الفرد أيضًا ، وهنا تكمن قوة الأدب : إنه يرفض التبسيط ، فالإنسان مسؤول عن أفعاله ، لكنه ليس منفصلًا عن الظروف التىّ أحاطت به ، وهذه هي المساحة التىّ ستصبح لاحقًا واحدة من أكثر القضايا تعقيدًا في الفكر السياسي الحديث : أين تنتهي مسؤولية الفرد ، وأين تبدأ مسؤولية المجتمع؟ ، من هنا يصبح الخلاف بين المدرستين أكثر وضوحًا ، المدرسة الأولى تقول ، بصورة عامة ، إن نقطة البداية لفهم الإنسان تقع في الوعي والفكرة والروح والمعنى ، والمدرسة الثانية تقول إن الإنسان لا يمكن فهمه من دون النظر إلى الشروط المادية والاجتماعية والتاريخية التىّ تنتج وعيه وتحدد خياراته ، لكن المشكلة أن كل مدرسة تصبح ناقصة عندما تدّعي امتلاك الإنسان كله ، فالإنسان ليس روحًا فقط ، وليس مادة فقط ، ليس فكرةً معلقة في السماء ، ولا جسدًا يتحرك داخل الاقتصاد فحسب ، إنه كائن يحمل المعنى ويعيش في الواقع ، وهذا ربما هو المكان الذي تصبح فيه المقارنة بين الشخصيات الأربع أكثر نضجًا ، فالحلاج يذكّرنا بأن الإنسان يمتلك عالمًا داخليًا لا يمكن اختزاله ، والجيلاني يذكّرنا بأن هذا العالم الداخلي يحتاج إلى ميزان وضابط ، وهيغل يذكّرنا بأن الوعي لا يتحرك بصورة ساكنة ، بل يتطور من خلال التناقض والتاريخ ، وماركس يذكّرنا بأن الوعي نفسه لا يعيش خارج شروط الحياة .
لكن المشكلة لا تتوقف عند الفلسفة ، فالطريقة التىّ نفهم بها الإنسان تتحول في النهاية إلى سياسة ، إذا اعتبرنا أن الإنسان كائن تحرره الأفكار ، فسوف نركز على التعليم والوعي والثقافة وتغيير التصورات ، وإذا اعتبرنا أن الإنسان أسير شروطه المادية ، فسوف نركز على الاقتصاد والطبقات والملكية والعمل وتوزيع الثروة ، وإذا قلنا إن الإنسان يحتاج إلى الاثنين ، فإن السياسة تصبح مشروعًا أكثر تعقيدًا : تحرير الإنسان من الداخل ، وتحرير شروط حياته من الخارج ، وهنا يظهر السبب الذي يجعل هذه القضية أكبر من مجرد خلاف فلسفي بين هيغل وماركس ، أو خلاف صوفي بين الحلاج والجيلاني ، إنها في النهاية قضية السلطة ، من يملك حق تعريف الإنسان ؟، ومن يملك حق تحديد ما هو «حقيقي» وما هو «وهم»؟ ، هل الحقيقة ما يكتشفه الإنسان في تجربته الداخلية؟ ، أم ما يثبته النص؟ ، أم ما يكشفه العقل؟ ، أم ما يفرضه الواقع ؟، كل سلطة تبدأ ، بطريقة أو بأخرى ، من الإجابة عن هذه الأسئلة ، ولهذا فإن تاريخ الأفكار ليس مجرد تاريخ للفلاسفة والمتصوفة ، بل هو تاريخ للصراع على المعنى الذي سيُبنى عليه المجتمع ، الحلاج اصطدم بحدود اللغة الدينية التىّ لم تستطع استيعاب تجربته ، وهو لم يستوعب حدود التأويل الديني السائد الذي قيّد تجربته وأخضع عباراته للمعايير النصوص ، الجيلاني حاول أن يضع التجربة داخل إطار أكثر انضباطًا ، هيغل بنى عالمًا فلسفيًا جعل حركة الوعي والتاريخ جزءًا من تفسير الواقع ، وماركس نقل مركز الاهتمام إلى الإنسان الذي يعمل وينتج ويعيش داخل علاقات اجتماعية واقتصادية محددة ، أما ديكنز ، فجعلنا نرى هذا الإنسان في صورة طفل جائع لا يملك سوى أن يبحث عن مكان له في عالم قاسٍ ، وهنا تلتقي الفلسفة بالأدب ، ويلتقي التصوف بالفكر السياسي ، ويلتقي السؤال عن الروح بالسؤال عن الاقتصاد ، ليس لأن هذه المجالات متشابهة ، وإنما لأن موضوعها النهائي واحد : الإنسان .
ربما لهذا السبب لا يمكن أن يكون انتصار مدرسة كاملة على مدرسة أخرى هو النهاية الطبيعية لهذا الصراع ، فالروح وحدها لا تطعم جائعًا ، والمادة وحدها لا تمنح الإنسان معنى ، فالفكرة تستطيع أن تغيّر العالم ، لكنها تحتاج إلى إنسان يحملها ويحولها إلى فعل ، والواقع يستطيع أن يصنع وعي الإنسان ، لكن الإنسان يستطيع أيضًا أن يعيد تشكيل الواقع ، وهنا ، تحديدًا ، تصبح عبارة ماركس عن هيغل أكثر عمقًا مما تبدو عليه : لقد احتاج ماركس إلى أن يقلب هيغل، لكنه لم يستطع أن يتخلص منه ، وكذلك احتاج الجيلاني إلى ضبط التجربة الصوفية ، لكنه لم يتخلص من الروح ، وهذا هو الدرس الأهم في تاريخ الفكر ؛ الأفكار العظيمة لا تموت عندما تختلف معها الأجيال اللاحقة ؛ إنها تتغير ، وتنتقل ، وتدخل في أفكار جديدة ، ثم تعود بأسماء أخرى .
بين «أنا الحق» و«إيقاف هيغل على قدميه» قرون من التاريخ ، لكن خلف العبارتين سؤال واحد تقريبًا : من أين يبدأ الإنسان في بحثه عن الحقيقة؟ من داخله ؟ من عقله؟ ، من النص؟ ، من التاريخ؟ ، من المجتمع؟ ، من الاقتصاد؟ ، ربما لا توجد إجابة واحدة ، وربما كانت مأساة الفكر تبدأ عندما يعتقد الإنسان أنه وجد الإجابة النهائية ، فالإنسان ، في النهاية ، ليس روحًا بلا جسد ، ولا جسدًا بلا روح ؛ ليس فكرةً منفصلة عن العالم ، ولا مادةً محرومة من المعنى ، إنه الكائن الذي يعيش بين الاثنين ، ولهذا فإن الصراع الحقيقي لم يكن يومًا بين الحلاج والجيلاني ، ولا بين هيغل وماركس ، فالصراع الحقيقي كان ، وما يزال ، على الطريقة التىّ نريد أن نفهم بها الإنسان ، ومن ينجح في تعريف الإنسان ، يقترب كثيرًا من القدرة على تعريف المجتمع الذي يريد أن يبنيه .
