جمهورية المؤسسات أم مأسسة النفوذ؟

  جمال حمور:

27/6/2026

بوابة - كاريكاتير خيري - مؤسسات الدولة في #ليبيا #الوسط  السؤال السوري اليوم لم يعد فقط: هل تنجح السلطة في إعادة بناء الدولة؟ بل: هل تنجح في بناء جمهورية تحكمها المؤسسات، أم تتحول مؤسسات الدولة إلى إطار جديد لمأسسة النفوذ؟ فهذا هو الاختبار الحقيقي للمرحلة الانتقالية، بعدما بدأت البلاد تتجاوز الفوضى والانقسام وتتجه نحو إعادة بناء مركز سياسي وعسكري وإداري أكثر تماسكاً.

وهنا تكمن المفارقة: قد تنجح السلطة في بناء مؤسسات الدولة من دون أن تنجح في بناء دولة المؤسسات. ففي الحالة الأولى تصبح المؤسسات أدوات لتنفيذ إرادة السلطة، أما في الثانية فتصبح السلطة نفسها مقيدة بالقانون والمؤسسات. لذلك تظل النقلة الحقيقية مرهونة بقدرة هذه الهياكل على تقييد السلطة التنفيذية، وضمان الشفافية والمواطنة المتساوية، والاحتكام إلى المعيار الأهم: خضوع الحكام للقانون والاستعداد الفعلي لتداول السلطة.

كان تعدد الفصائل والسلطات المحلية وشبكات النفوذ من أبرز أسباب هشاشة الدولة السورية. لذلك يمثل توحيد القوة المسلحة وإخضاع التشكيلات لوزارة الدفاع خطوة ضرورية لاستعادة الدولة. لكن احتكار السلاح لا يكتمل بجمع البنادق تحت مظلة واحدة؛ فالاختبار الحقيقي هو: هل أصبحت المؤسسة العسكرية وطنية، أم انتقلت الولاءات من الفصائل إلى الأشخاص والمناطق؟

بناء الجيش الوطني يعني تفكيك الولاءات الشخصية والفصائلية، وإرساء عقيدة مهنية وتسلسل قيادي واضح، وخضوع المؤسسة العسكرية للسلطة المدنية والقانون. وإلا فإننا لا نكون قد أنهينا تعدد مراكز القوة، بل أعدنا تنظيمه داخل مركز واحد.

وينطبق الأمر نفسه على المناطق التي نشأت فيها خلال الحرب مؤسسات أمنية وإدارية واقتصادية مستقلة عن المركز. فاستعادة الدولة سيادتها على الجغرافيا والموارد شرط لوحدة البلاد، لكن عودة المركز لا ينبغي أن تعني التحكم المطلق بالمجتمع والموارد. فالنفط والقمح والمعابر والثروات العامة ملك للسوريين، وقوة الدولة تقاس بقدرتها على إدارتها بشفافية وتوزيع عائداتها بعدالة. الدولة القوية ليست التي تصل أوامرها إلى كل قرية فقط، بل التي تصل حقوق مواطنيها إليها أيضاً.

وهنا يبدأ الاختبار الديمقراطي الحقيقي. فوجود حكومة ومجلس شعب ومحكمة دستورية وهيكل إداري متكامل لا يكفي لقيام دولة المؤسسات. المعيار هو قدرة هذه المؤسسات على مراقبة السلطة ومساءلتها ورفض قراراتها عندما تتعارض مع القانون.

فإذا كان البرلمان تابعاً للسلطة التنفيذية، والقضاء عاجزاً عن محاسبتها، والإعلام محاصراً، وغياب للأحزاب، فنحن أمام مؤسسات دولة، لا دولة مؤسسات. لذلك تحتاج المرحلة الانتقالية إلى توازن حقيقي بين السلطات، بحيث تكون السلطة التنفيذية قوية بما يكفي لإدارة البلاد، لكنها مقيدة بما يمنع تحولها إلى سلطة فوق القانون. فلا يكفي أن يستند الحاكم إلى القانون؛ المطلوب أن يخضع الحاكم نفسه للقانون.

وفي الخارج، تحتاج سورية إلى الانفتاح العربي والإقليمي والدولي، والاستثمارات والدعم وإعادة الإعمار وإنهاء العزلة، لكن الانفتاح لا ينبغي أن يتحول إلى تبعية جديدة. فالخروج من النفوذ الإيراني لا يعني الدخول في نفوذ بديل، كما أن العلاقات مع تركيا وروسيا والدول العربية والغربية يجب ألا تنتج مراكز تأثير تتحكم في القرار السوري.

السياسة الخارجية الناجحة ليست استبدال حليف بحليف، بل تحويل سورية من ساحة يتنافس الآخرون عليها إلى دولة تفاوض الجميع من موقع مصالحها الوطنية.

وفي الجنوب، تفرض المرحلة تجنب حرب جديدة تستنزف الدولة وهي في طور إعادة البناء. لكن الواقعية لا تعني التخلي عن الحقوق السيادية، بل إدارة الصراع سياسياً ودبلوماسياً وأمنياً بما يسمح باستعادة السيادة على المدى الطويل.

لذلك لا ينبغي قياس نجاح المرحلة الانتقالية بعدد المؤسسات أو الاتفاقيات أو السفارات المفتوحة، بل بسؤال واحد: هل تستطيع الدولة التي يجري بناؤها أن تقيد السلطة التي تبنيها؟

إذا تحقق ذلك، تكون سورية قد انتقلت من سلطة تحتاج إلى مؤسسات كي تستقر، إلى مؤسسات قادرة على ضبط السلطة. أما إذا تحولت المؤسسات إلى أدوات لتثبيت مركز سياسي واحد، فستكون البلاد قد خرجت من فوضى تعدد السلطات، من دون أن تخرج من مشكلة احتكار السلطة.

الاختبار الحقيقي لسورية الجديدة ليس أن تمتلك دولة قوية فحسب، بل أن تمتلك دولة قوية بما يكفي لفرض القانون، ومقيدة بما يكفي كي لا يصبح القانون تابعاً للقوة. عندها فقط تصبح «جمهورية المؤسسات» واقعاً سياسياً، ولا تتحول مؤسسات الدولة إلى غطاء لمأسسة النفوذ.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *