فمنذ انطلاقة الثورة الفلسطينية المسلحة عام 1965، عندما بدأت حركة فتح عملياتها الخاصة ، مرورًا بمعركة الكرامة عام 1968 التىّ كسرت للمرة الأولى صورة الجيش الإسرائيلي الذي لا يُقهر ، ثم أحداث أيلول الأسود عام 1970 ، حرب الاستنزاف التىّ خاضتها الأجهزة الفلسطينية ضد جهاز الموساد الإسرائيلي في أوروبا ، وصولًا إلى حرب أكتوبر عام 1973، ثم المواجهة مع النظام السوري عام 1976 دفاعًا عن القرار الوطني الفلسطيني المستقل ونواياه المبيتة بإخماد شعلة الثورة مرة وللأبد ، وحرب الليطاني عام 1978 ضد جيش الاحتلال الإسرائيلي ، ثم الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982 ، حيث خاضت الثورة الفلسطينية واحدة من أعنف معاركها ، وتمكنت من الصمود في بيروت تحت حصار غير مسبوق ، حتى بات كثير من العسكريين يعدّون ذلك الصمود من أبرز محطات التاريخ العسكري العربي الحديث ، بعدما عجز الجيش الإسرائيلي ، رغم تفوقه الناري ، عن تحقيق التقدم الذي كان يطمح إليه بعد خطوط مطار بيروت ، ولم تتوقف المواجهة عند ذلك الحد ، بل أعقبتها حرب طرابلس عام 1983 ، التىّ يرى كثير من الباحثين أنها استهدفت إخراج الثورة الفلسطينية نهائيًا من لبنان ، ثم جاءت حرب المخيمات عام 1985 برعاية إسرائيلية ، لتدخل القضية الفلسطينية مرحلة جديدة من الصراع الداخلي والإقليمي ، قبل أن تعيد الانتفاضة الفلسطينية الأولى عام 1987 الاعتبار للمقاومة الشعبية داخل الأرض المحتلة ، وتثبت أن الشعب الفلسطيني قادر على صناعة أدوات نضاله بنفسه ، بعيدًا عن الجغرافيا العربية التىّ احتضنت الثورة لعقود ، وفي عام 1996 اندلعت انتفاضة النفق ، لتؤكد أن جذوة المواجهة لم تنطفئ بعد توقيع اتفاق أوسلو ، ثم جاءت انتفاضة الأقصى عام 2000، التىّ استمرت حتى استشهاد الرئيس ياسر عرفات ، لتعيد القضية الفلسطينية إلى واجهة الصراع من جديد ، بعدما حاولت إسرائيل فرض وقائع جديدة على الأرض بالقوة العسكرية ، وخلال هذه العقود ، نفذت حركة فتح عشرات العمليات العسكرية داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة وخارجها ، وشكلت ، بكل ما لها وما عليها ، الركيزة الأساسية للقرار الوطني الفلسطيني ، وفي جميع تلك المراحل ، كان الرئيس محمود عباس “أبو مازن” حاضرًا في صناعة القرار السياسي والثوري ، باعتباره أحد أبرز أعضاء القيادة التاريخية للحركة ومنظمة التحرير الفلسطينية .
ومن هذا المنطلق ، فإن القيادة الفلسطينية لم تتنازل قانونيًا عن شبر واحد من الأرض الفلسطينية ، وأن اتفاق أوسلو ، بصرف النظر عن الموقف منه ، لم يكن سوى اتفاق مرحلي انتقالي ، ولم يُصمم ليكون تسوية نهائية للصراع ، كما أن اغتيال رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحاق رابين مثّل نقطة تحول مفصلية ، وأن المؤسسة الإسرائيلية حسمت ، بعد تلك المرحلة ، خيارها في التعامل مع الرئيس ياسر عرفات ، وهو ما تجسد لاحقًا في حصاره ثم اغتياله ، ولقد أثبتت التجربة الفلسطينية ، عبر أكثر من 7 عقود ، أن الفلسطينيين كانوا ، في معظم محطات تاريخهم ، يواجهون مصيرهم وحدهم ، فمنذ انطلاقة الثورة الفلسطينية وحتى اليوم ، ظل الشعب الفلسطيني يدفع الكلفة الأكبر من دمه وأرضه ومستقبله ، بينما كانت المواقف العربية والإقليمية تتبدل وفق حسابات المصالح والظروف ، وحتى في ظل الإبادة الجماعية التىّ تعرض لها قطاع غزة ، بقي الفلسطينيون ، في جوهر المعركة ، يعتمدون أولًا على صمودهم وإرادتهم الوطنية ، وفي هذا السياق ، كان حزب الله الطرف العربي الوحيد الذي دفع ثمنًا عسكريًا وسياسيًا مباشرًا نتيجة انخراطه في دعم المقاومة الفلسطينية عقب عملية “طوفان الأقصى”، وهو ثمن لم يكن محدودًا ، سواء على مستوى المواجهة العسكرية أو التداعيات السياسية والإقليمية .
ومن هنا، فإن المصلحة الوطنية الفلسطينية، في تقديري ، تقتضي من حركة حماس أن تعيد النظر في طبيعة المرحلة المقبلة ، وأن تدرك أن قوة الفلسطينيين لم تكن يومًا في تعدد المرجعيات ، وإنما في وحدة القرار الوطني تحت مظلة منظمة التحرير الفلسطينية ، بوصفها الممثل الشرعي للشعب الفلسطيني ومؤسساته الوطنية ، فالاختلاف السياسي مشروع ، بل إنه ظاهرة صحية ، لكن تحويله إلى انقسام دائم يهدد المشروع الوطني برمته ، بل أبعد ن ذلك ، وفي هذا الإطار ، لا بد من الإشارة إلى جملة من الوقائع التىّ ، في رأيي ، تستحق التوقف عندها عند تقييم العلاقة بين حركة حماس والرئيس محمود عباس ، فالرجل لم ينقلب على نتائج الديمقراطية الفلسطينية عندما فازت حركة حماس في الانتخابات التشريعية ، بل سلّم الحكومة المنتخبة صلاحياتها وفق الأصول الدستورية ، رغم حجم الخلاف السياسي القائم آنذاك ، وبعد الأحداث العسكرية التىّ انتهت بسيطرة حركة حماس على قطاع غزة ، عضّ على جراحه ، ورفض الانجرار إلى اقتتال فلسطيني ـ فلسطيني أو تغذيته ، رغم العروض والضغوط الإقليمية والدولية التى كانت تدفع في هذا الاتجاه ، ولم يتوقف الأمر عند ذلك ، إذ استمرت حكومات السلطة الفلسطينية ، رغم الانقسام السياسي ، في تحمل جانب مهم من المسؤوليات المالية تجاه قطاع غزة ، واستمرت في تمويل العديد من الالتزامات المرتبطة بالقطاع ، انطلاقًا من اعتبار أن غزة جزء لا يتجزأ من الوطن الفلسطيني ، وبعد عملية “طوفان الأقصى”، تبنى الرئيس محمود عباس، بصفته رئيس دولة فلسطين ورئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية ، الموقف الفلسطيني الرسمي في مختلف المحافل الدولية ، ولم يتخل عن مسؤوليته الوطنية تجاه الشعب الفلسطيني ، رغم الظروف الاستثنائية التىّ مرت بها القضية الفلسطينية ، بل دفعت الساذة ومازالت تكلفة مالياً باهظة بسبب الحصار التىّ تفرضه حكومة نتنياهو .
بل نذهب إلى أبعد من ذلك، إذ أن الرئيس محمود عباس والرئيس التركي رجب طيب أردوغان كانا القائدين الوحيدين اللذين أظهرا مواقف علنية في رثاء الشهيد يحيى السنوار ، في وقت التزم جميع القادة العرب والإسلاميين الصمت أو اكتفوا بمواقف دبلوماسية عامة ، إلى جانب مواقف سياسية أخرى ، لم تجد ما يقابلها من تقدير سياسي يعكس حجم المسؤولية الوطنية المشتركة ، واليوم ، بينما تتواصل المفاوضات المتعلقة بالمرحلة المقبلة في قطاع غزة ، يبرز سؤال جوهري يتعلق بمستقبل المشروع الوطني الفلسطيني ، فهل يجوز رسم مستقبل القطاع بعيدًا عن منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الوطنية الفلسطينية ، اللتين تمثلان ، وفق الشرعية الفلسطينية والدولية، الشعب الفلسطيني؟
إنني أرى أن الأولى بالمقاومة الفلسطينية ، بكل فصائلها السياسية والعسكرية ، إذا كانت تتجه نحو تسليم إدارة قطاع غزة، أن تصر على عودة السلطة الوطنية الفلسطينية إلى القطاع ، باعتبارها المرجعية الوطنية الجامعة ، لأن أي صيغة أخرى ستؤدي ، في تقديري ، إلى تكريس الانقسام الجغرافي والسياسي ، وإضعاف المشروع الوطني الفلسطيني ، وإدامة واقع لا يستفيد منه سوى الاحتلال الإسرائيلي ، والتاريخ ، في كثير من الأحيان ، يعيد إنتاج مشاهده بأسماء مختلفة ، فكما وقف الفلسطينيون وحدهم بعد اجتياح لبنان وخروج قوات الثورة الفلسطينية ، يقفون اليوم أيضًا في مواجهة تحديات غير مسبوقة ، وبعد الخروج من بيروت ، وقف ياسر عرفات في المجلس الوطني الفلسطيني مخاطبًا الشعب والعالم ، مؤكدًا أن الجيش الذي كان يُقال عنه إنه لا يُهزم ، قد هُزم على خطوط الموت في العاصمة بيروت ، وأن الفلسطينيين لم يكونوا يومًا شعبًا يخاف أو يرتهب ، بل شعبًا فرض حضوره على المنطقة والعالم بإرادته وصموده ، واليوم ، تشير معطيات وتقارير عسكرية إسرائيلية ، إضافة إلى تصريحات عدد من الجنرالات وقادة الأسلحة ، ومن بينهم قادة في سلاح المدرعات ، إلى وجود تحديات حقيقية تواجه القوات البرية الإسرائيلية نتيجة طول أمد الحرب والاستنزاف المتواصل ، بما في ذلك ما يتعلق بجاهزية جزء من أسطول الدبابات والآليات القتالية ، لقد خسروا الاسرائيليين 35% من دباباتهم ، فإن استمرار حرب متعددة الجبهات من شأنه أن يعمق هذه التحديات ، ويكشف ما يسميه العسكريون بـ”الفجوة التشغيلية”، أي الفجوة بين حجم الالتزامات العسكرية والقدرة الفعلية على تلبيتها ميدانيًا .
وانطلاقًا من هذه القراءة ، فإن أي مواجهة إسرائيلية جديدة مع إيران ، بالتزامن مع عودة حزب الله إلى فتح جبهة الشمال ، ستضع المؤسسة العسكرية الإسرائيلية أمام اختبار بالغ التعقيد ، كما أن أي احتكاك عسكري مباشر مع قوى إقليمية تمتلك جيوشًا نظامية كبيرة ، مثل تركيا في الساحة السورية أو مصر في أي سيناريو مستقبلي ، سيختلف جذريًا عن طبيعة المواجهات التىّ خاضتها إسرائيل ضد الفلسطينيين ، لأن فلسفة بناء القوة العسكرية لدى الدول تختلف ، من حيث الإمكانات والعقيدة والقدرات ، عن ظروف حركات التحرر الوطني ، فإذا افترضنا ، في إطار السيناريوهات الاستراتيجية ، وجود دعم نووي باكستاني لأي من هذه الدول ، فإن معادلات الردع الإقليمي ستشهد تغيرات جذرية تتجاوز بكثير طبيعة الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي ، ويبقى الدرس الأهم ، بعد كل هذه العقود ، أن القضية الفلسطينية كانت دائمًا أكبر من الأشخاص ، وأكبر من التنظيمات ، وأكبر من الخلافات السياسية ، فما حفظ المشروع الوطني طوال تاريخه لم يكن غياب الاختلاف ، وإنما بقاء السقف الوطني جامعًا للجميع ، أما إذا أصبح الانقسام غاية في ذاته ، فإن الخسارة لن تلحق بفصيل دون آخر ، بل ستصيب فلسطين كلها .
