في أوقات كثيرة من حياتنا، ولا سيما في هذه السنوات العجاف، كان المرء منا يتمسك بالأمل كالغريق الذي يتشبث بخشبة خلاص. غير أن هذا الأمل — على عذوبته — لم يكن قادراً دائماً على تحمُّل ثقل الواقع ومراراته. ومع كل كرب يلمّ بنا، كنا نردد بقلوب مجهدة: ” الله كبير… ولن ينسى أحداً”.
لم تكن المشكلة يوماً في الرب الرحيم، بل في الصورة الذهنية المشوّهة التي غرسوها في أعماقنا عنه، وفي الرواسب التي تسرّبت باسم الدين حتى غدا التواكل بديلاً عن الفكر، والقعود بديلا ًعن العمل. ومع توالي الخيبات، أخذ الإنسان يفقد أمانه الداخلي، وصار يعيش يومه كأنه ضيف عابر في حياته، يرقب تغييراً يأتي من المجهول، وينتظر معجزة قد لا تجيء. هذا الانتظار الطويل أحدث شرخاً غائراً في الروح: حاضرٌ لا يشبهنا، ومستقبلٌ مرهون بأوهام لا تمت لوعينا ولا لكدّنا بصلة.
اتسعت جراحنا، ووقفت البلاد بكاملها على شفير الهاوية؛ فتهدمت بيوت، وانكسرت أحلام، وتشتتت أرواح، والواقع يتردى كل يوم إلى عمق أشد. ومع ذلك، ظل البعض يقتات على انتصار موهوم يتنزل من السماء، يعيشون على مُسكنات تُهدئ الألم ظاهراً ولا تستأصل الداء من جذوره. وأمام هذا الركام، بات حرياً بنا أن نسأل أنفسنا بصراحة: كيف نُعيد علاقتنا بالله إلى نبعها الصافي… بعيداً عن الخوف وكل هذه التشوهات؟
من الصعب على كائن ضئيل في هذا الكون الفسيح أن يتحدث بثقة مطلقة عن الخالق؛ فكيف لنا أن ندعي الإحاطة بمن أبدع هذا الوجود؟ إن الهوة بين الخالق والمخلوق تجعل أي تصور بشري قاصراً وشائباً بالخطأ. ومع ذلك، تجد الكثيرين يتحدثون باسم الله، ويوزعون الأحكام والفتاوى وكأنهم أوصياء على رحمته!
الحقيقة أننا لا نحيط بجوهر الذات الإلهية، لكننا نلمس أعظم آثارها: أنه خلقنا ووهبنا هذه الحياة. ولأجل ذلك، بدلاً من أن نسأل: ” من هو الله بالنسبة إلينا ؟” فإن السؤال الأجدى هو: ” ماذا تخبرنا حياتنا عنه؟”
الحياة هي أول حقيقة نملكها؛ لم نطلبها، ولم نصنعها، ولم يُستأذنّا أحد قبل إهدائها لنا. استيقظنا فوجدنا أنفسنا في خضم الوجود: نعيش، نحب، ننتحب، ونحاول أن نفهم. هذه الهبة الإلهية تسبق كل ما كُتب أو قيل. لكن المؤسف أن الكثيرين يمارسون إيمانهم تحت وطأة الرعب؛ يخشون العقاب أكثر مما يرجون المحبة، وينتظرون الصد قبل القبول، فيقضون العمر فارّين من غضب الله بدلاً من أن يهرعوا إلى رحابه بحب.
إن كان الله هو من أفاض علينا بالنعم ووهبنا هذا الوجود، فلماذا يكون الخوف هو الأصل؟ أليست المحبة والامتنان هما البداية الطبيعية لكل إيمان سليم؟
حين أقول: “الله صديقي”، فلست أعني نديّة أو صداقة بشرية؛ فالله هو الخالق العظيم ونحن المخلوقون الضعاف. بل أقصد أنني أراه منبع أمان لا مصدر تهديد، وأوقن أن علاقتنا به يجب أن تُبنى على الطمأنينة لا على الرعب. فالطفل الصغير لا يهرب من والديه اللذين يحوطانه بالرعاية، بل يهرع إلى أحضانهما عند أول فزعة. وهكذا الإنسان؛ متى أدرك أن وجوده نِعمة ومحبة، فسيرى ربه ملجأً لا خصماً، وينبوع رجاء لا مصدر قلق.
إن السؤال الحقيقي ليس: ” كيف أهرب من غضبه؟” بل: “كيف أتقرب منه بحب لنحيا بنوره مطمئنين؟” فالإله الذي منحنا الحياة مستحيل أن يكون ضدنا، ولهذا أختار أن أراه رفيق الدرب وسند الروح… لا مصدر خوف.
See less