الطائفية المعقدة ,بين التشاركية واحتكار السلطة….
ما بيطار , سيريانو :
واقعيا لايمكن لطائفة ان تهيمن على طائفة أخرى على المدى الطويل , سواء كانت الطائفة المهيمنة كبيرة او صغيرة ,قد يكون لنزعة الهيمنة بدائل مثل ممارسة الابادة الجماعية كما فعلت الصدامية ببلدة حلبجا كيماويا او كما فعلت الأسدية او الميليشيات الاسلامية في مجزرة الغوطة بالسارين ,الذي ابادت به آلاف الأفراد من البشر ومن الحيوانات ايضا , هناك طريقة ثالثة للتخلص من جماعة تنتمي دينيا الى مذهب مختلف عن مذهب الغلبة الغالبة كما حدث مع المسيحيين في سوريا والعراق , اذ تم التضييق عليهم والاستيلاء على اراضيهم وأموالهم كما فعلت الجولانية بمدينة الغسانية القريبة من ادلب, لقد كان عليهم دفع الجزية ثم تم الاسنيلاء على بيوتهم واراضيهم وأموالهم وتهجيرهم , الى أن أتت أوامر ترامب باعادتهم وتعمير بيوتهم , عادوا والقوا نظرة وداعية علي البيوت ثم عادوا الى المهاجر ,تيقنا منهم على أن الحياة مستحيلة الى جانب الجولانية الاخونجية الداعشية ,من اساليب الهيمنة كان ارتكاب المجازر اي القضاء العضوي على وجود الغير كما حدث في مجازر الساحل , وكما حدث في الجنوب مع الدروز للقضاء عليهم , والذي أفشله التدخل الاسرائيلي!.
عاد التمزق الاجتماعي العراقي في زمن الصدامية الى هيمنة السنة وعلى الهيمنة البعثية التي دامت حوالي نصف قرن , والتي كانت القشرة الخارجية للهيمنة الدينية الطائفية المعقدة تحت اسم القومية والعروبة , وليس الى الغزو الأمريكي كما يدعي البعض, فلو كانت سلطة صدام ديموقراطية لما كان هناك تمزق اجتماعي , والدليل على ذلك كان تزايد التمزق الاجتماعي بعد رحيل اكثرية القوات الأمريكية ,وبعد اسابيع سترحل البقية الباقية منهم ,فهل يمكن انتظار وحدة وطنية عراقية بعد هذا الرحيل !!!.
أمر التمزق الاجتماعي في سوريا مشابه بدون احتلال أمريكي , الا أن الوضع السوري مشابه من حيث كونه ديكتاتوري تيوقراطي وممثلا لما تسمى الطائفية المعقدة , للطائفية المعقدة عدة اشكال ولردات الفعل عليها ايضا عدة اشكال , الا أن جوهر الطائفية المعقدة واحد وردات الفعل عليها في الجوهر واحدة, تركيبة الطائفية المعقدة الحالية في سوريا لايختلف في الجوهر عن العراقي ,حتى انه لايختلف عن الجوهر الأسدي , فالأسدية اقامت طائفية جديدة ,بينما انعشت الجولانية نوعا من الطائفية التاريخية القديمة ( أمويون) , والتي ولدت قبل حوالي ١٤٤٠ سنة , بالمقارنة يمكن القول ان الجولانية كانت أسوء من الصدامية وأسوء من الأسدية, وذلك لأن فساد الأكثرية عسير على المعالجة , والتخلص من ديكتاتورية الغلبة الغالبة اصعب من التخلص من ديكتاتورية اقلية ذات جوهر طائفي , والتصاق الغلبة الغالبة بالسلطة عموما امتن من التصاق اقلية دينية بالسلطة , ثم انه لاحاجة ماسة ” للحملات الايمانية” عند الغلبة الغالبة ,لقد كان الأقلوي صدام مضطرا في أواخر ايامه على لصق عبارة “الله أكبر”علي العلم العراقي, وللأسدية كان هناك غطاء سني تمثل باشراك السنة في الحكم وفي علاقة الأسدية الوطيدة مع رجال الدين السنة مثل البوطي والمفتي حسون , ثم أن حافظ الأسد تمكن بالأوراق الثبوتية من البرهنة على أنه مسلم , وبالتالي نجح مرحليا في حملته الأيمانية.
بالرغم من نجاح الأسد في حملته الايمانية وتمكنه من اسكات السنة عن طريق اشراكهم في مشروع ريع الفساد, بقيت سوريا مهددة بالتمزق الداخلي , الذي اكتمل على يد الجولانية ,لم تتمكن الأسدية من تنظيم حكمها في أطر سياسية ومؤسساتية مسؤولة أمام القانون , الذي لم يكن أكثر من حبر على ورق , أما الجولانية فلم تفكر اصلا بما يسمى قانون , لأنه لايمكن دمج المدنية مع الشريعة في أي قانون , هنا اختارت الجولانية الشريعة وألغت القانون عمليا, أي انتقلت من ما تسمى ماقبل الدولة الوطنية الى ماقبل الدولة الدينية الطائفية .
لقد برهن المثال الأسدي ثم المثال الصدامي ومؤخرا المثال الجولاني عن فشل مشروع الهيمنة خاصة هيمنة الأكثرية اي الغلبة الغالبة , حكمت الأسدية نصف قرن وحكم البعث السني في العراق نصف قرن ايضا وكلاهما اقلوي , بينما نلاحظ تآكل الجولانية الممثلة نظريا للغلبة الغالبة بعد تسلمها السلطة بوقت قصير جدا , أي أن سلطة الأقلية استنتاجا أكثر ثباتا من سلطة الغالبية الغالبة , ولهذا الوضع العديد من الأسباب منها عدم تمكن الأقليات من احتكار السلطة بالكامل, لذلك تضطر الى اشراك غيرها بالحكم , بينما لاحاجة للغلبة الغالبة باشراك غيرها , لذا تحتكر السلطة بالكامل مما يعرضها الى التآكل السريع , الغلبة الغالبة مؤهلة للتمادي الوقح مما يفقدها اي اخلاقية , مما يشجع الاخلاقيين من فئة الغلبة الغالبة على الانقلاب على منظومة احتكار السلطة وبالتالي احتكار الفساد واحتكار السلبطة والاجرام واللاقانونية والعنجهية والاجرام والتعسفية الخ , كل ذلك يسرع افلاسها وبالتالي سقوطها بعد تحولها الى اقلية منبوذة حتى من الذين ينتمون الى ملتها , وهذا ما حصل ويحصل مع الفئة ” الأموية”, طبعا هناك العديد من الأسباب الأخرى للسقوط , لم تدرك الجولانية وجود عقلانيين وشرفاء من السنة , وظنت ان كل السنة قطاع طرق كطيب الذكر ابو عمشة وأشباهه .
كل ماذكر يبرهن على ان حكم الأغلبية الطائفية ليس اقل طائفية من حكم الأقلية الطائفية , ويبرهن ان الحاجة “للتشاركية” عند الأقلية اعلى من حاجة الاغلبية الطائفية للتشاركية , حافظ الأسد ادرك ذلك طوال فترة حكمه, وبشار الأسد ادرك ذلك في سنين حكمه الأولى , ولكنه نسي كل ذلك في سنين حكمه التالية , مما اسقطه تلقائيا بدون ان يسقطه معارضيه , لقد تمكن حافظ الأسد من ضبط الوضع الطائفي بينما لم يتمكن بشار الأسد من ضبطه سوى في السنين الأولى من حكمه, أما الجولانية فقد بدأت بالفشل منذ ايامها الأولى !.
Post Views: 4