اشكالية الحرية مع الطاعة والانصياع …
سمير صادق , ربا منصور :
تعني حرية الرأي حرية النقد , لا لزوم لحرية الرأي بدون حرية النقد , التي تعني تفاعل الآراء المختلفة مع بعضها البعض, لينتج رأيا آخر يقود الأخذ به الى حياة أفضل اي الى التقدم .
كان الاختلاف والتباين ولا يزال وسيبقى من طبيعة البشر , انه ضروري للابداع , والشعب الذي لايبدع في مجال ما أو عدة مجالات هو شعب لايفكر ولا ينقد وبالتالي لايتقدم , لا يمكن التعرف على الاختلاف والتباين الا عن طريق ممارسة حرية الرأي , مما يسمح عندئذ بالتعرف على الصحيح والخاطئ من الآراء والمواقف , وبالتالي التمكن من التصحيح والتقويم أو الاقتداء !.
الغت ما تسمى الطهارة الفكرية التعددية والاختلاف , كالطهارة الطائفية , التي الغت الطائفية شكليا , لقد منع التطرق الى الطائفية تحت طائلة العقاب, عمليا تم التستر عليها , وتحت الستار نمت وترعرعت واحتقنت الى أن انفجرت , وفجرت الحياة معها ,الغاء تفكيك الطائفية , لايعني عدم وجود طائفية , والغاء الطهارة الفكرية لايعني عدم وجود افكارا مختلفة وهكذا تم الانتقال من خدعة الطهارة الطائفية الى واقع التطهير الطائفي , أما الطهارة الفكرية , التي تم فرضها , فقد كانت قاتلة بشكل آخر ,مثلا على يد مفهوم التوحيد , الذي يعتبر الركيزة الأساسية لفرض الرأي الواحد والموقف الواحد والأعتقاد الواحد والله الواحد والأهم الديكتاتور الواحد , الذي يجب حمايته من الاعتلال بمرض بديهية الاختلاف والتعددية .
التوحيد عدو لطبيعة البشر , وصديق حميم لمشوهات هذه الطبيعة , عمليا تمكن التوحيد وديكتاتورياته من البقاء على قيد الحياة لفترات طويلة جدا , بدأت بالخلافة واستمرت ألف سنة , ثم انتقلت لمدة أربعة قرون الى العثمانيين ومن بعدهم أتت الديكتاتوريات الداخلية وتمكنت من الغاء الزمن , كما فعل الفاتحون الحجازيون والعثمانيون بوضعهم المخلوق البشري وعقله في الكهف , اكمل الاستعمار الداخلي تكهيف الانسان وعقله وفكره , ولما استيقظ هذا الانسان بفعل بدعة الحرية التي ميزت أوائل حقبة اقامة الدول المستقلة بعد الحرب العالمية الأولى, هنا وجد الانسان نفسه بعد الاستقلال , بعد أن عاش في كهف الخلافة والسلطنة, في عالم آخرغريب جدا عنه , لايمكنه فهمه ولايمكن للعالم فهم هذا المستيقظ حديثا من نومة أهل الكهف .
تحول المستيقظ بعد استعمار دام ١٤٤٠ سنة الى غريب في هذا الكون , ومن أهم معالم غربته كانت غرابة أفكاره وبعدها عن الواقعية والعصرية ,على سبيل المثال لم يدرك البعض وهم كثر انهم يعيشون في دولة أو حتى شبه دولة بشبه قانون عقوبات وشبه قضاء الخ , فعندما يسؤل مخلوق الكهف العربي -العثماني مثلا عن حد الردة , يجيب المرتد يقتل! , مخلوق الكهف ومخلوق حد الردة لم يستوعب حتى الآن وجود قانون ووجود دولة, وبأنه ليس بامكانه تطبيق حد الردة على هواه, ولا يتصور هذا الانسان لحد الآن أي عواقب لقتل المرتد من قبل شخص مؤمن آخر , هؤلاء يعيشون لحد الآن في أجواء عمرها ١٤٤٠ سنة .
الحياة بدون حرية قهر مرير , ولكن بالرغم من ذلك يعيش البعض بدون حرية, اي ببديل عن الحرية , وبدائل الحرية عديدة , منها ماهو من جنسها كالانفلاتية , ومنها ماهو من عكسها ونقيضها كالطاعة والانصياع , الطاعة كبديل عن الحرية ! كيف ؟؟؟ , هنا تتمركز وتتكثف الحرية بالتماهي مع السلطان ألذي احتكرها , السلطان حر بقراراته , انه يقرر والرعية تطيع برغبة بشغف واندفاع , ان أصاب السلطان بفضل مواهبه الفذة , فله الحمد والشكر والتمجيد , وان أخفق يقال على أنها ارادة الله او ارادة المؤامرة الدنيئة , وللسلطان تبعا لذلك الشكر والحمد والتمجيد أيضا , حقيقة يمكن القول بأن سلطان البلاد الديكتاتوري هو أفضل من مثل شعوب هذه البلاد , ففي عقل كل فرد من هذه الشعوب يسكن سلطانا شبيها بالسلطان الذي يتسلطن على الناس , بل هو نسخة طبق الأصل عنه.
الطاعة هي القاعدة , التي تمارسها هذه الشعوب بيقين عقيدي , الحرية هي الطارئ الاستثنائي , الذي يتعب من يمارسها بعض الشيئ , خاصة عندما لايعرف كيف يمارسها , الطاعة هي طريقة الحياة في الأسرة بمفهوم رب الأسرة , وفي الحارة وعلى المستوى الشخصي , انها الأصالة التي تتمثل بأعظم صورها في ممارسة أعظم الطاعة للسلطان , ثم الطاعة للنص الذي يتبادل التخديم مع السلطان , تجذر النص في النفوس حول الفرد الى طاغية تستبد بنفسها وتستعمر نفسها , وحول المستعمرة الذاتية بنيت الحصون , التي وقفت في وجه الانفتاح والحداثة والتلوث ,فالتلوث بالغير مرفوض , لأن التلوث يعني امكانية تسرب فكر الكفرة الى دواخل أهل الكهف !.
الحداثة تلغي الطاعة , لذلك تحولت الى بدعة شيطانية والعدو الأول , لاينفرد السلطان في اعتبارها عدوا أو رديفا للعدو , انما العديد من المخلوقات البشرية في هذه المنطقة تعتبرها رديفا للعدو , الذي يريد تفريق المؤمنين وابعادهم عن دينهم الآمر بالطاعة والانصياع , الذي تستعمر الشعوب به نفسها ,فالمطلب هو ممارسة الحق في الطاعة وليس الحق في الاعتراض والتمرد!! , كل ذلك باندفاع مرتفع يعادل الدفاع عن الحق في الحياة , الحرية خلق وابتكار متعب للبعض , الطاعة تسليم وامتثال , ومنذ قرون وهذه الشعوب تستريح في مستنقع الركود والجمود وممارسة الطاعة للسماء , أو من ناب عنها !.
نتائج كل ذلك كانت سيئة , والسوء نراه حتى بالعين المجردة , لابد من الحرية ومن متاعب الخلق والابتكار , لا نقصد الحرية التي ينعم السلطان بها على رعيته , والتي يحددها مزاجه كما وكيفا , انما القصد هو التحرر من الذات المستبد المستعمر لنفسه بأداة النص , النص ملزم بالطاعة بدون سؤال أو جواب , النص ملزم ايضا بالجهاد , جهاد مستمر بشكل ما على مدى الدهر , والجهاد في أحد أشكاله العملية هو تحارب , والتحارب هو الشكل الوحيد الذي بقي من منظومة الجهاد, التحارب يقود اما لانتصار المجاهد على العدو المشرك أي قتله , وبالتالي يقول النص المطاع والموثوق لهذا المجاهد قاتل المشرك لك الجنة وكل مافيها , أو أن يتمكن المشرك من قتل المجاهد وبالتالي تحويله الى شهيد , والشهادة في سبيل الله هي بمثابة فتح باب الجنة على مصراعيه .
بالمحصلة أصبحت الجنة الملاذ الأخير للمجاهد قاتلا أو مقتولا, لابد للمجاهد سوى أن يجاهد وعليه أن يقتل أو يستشهد , وعلى أي خصومة أن تنتهي بالجهاد ,والجنة مضمونة للمجاهد قاتلا أو مقتولا , النص والطاعة لايسمحون بأي بديل عن ثنائية القاتل والمقتول.
يصطدم انسان في هذه المنطقة مع مواقف ومفاهيم من المستحيل فهمها ومن الصعب جدا التعامل معها , وليس من المؤكد أن يتمكن التلاقح معها من انجاب نسل جديد لايمت الى نسل المستحاثات وأهل نيام الكهف بصلة , بالرغم من ذلك لابديل عن التلاقح والتفاعل على صعوبته , ولا مناص من محاولة الاجابة على أسئلة الحياة المشتركة , ولا أمل أن توحي السماء بالأجوبةعلى الأسئلة الأساسية , كل تقصير بالاهتمام بعقول أهل الكهف , سيقود الى عودتهم الى النوم , عندها قد يكون نومهم ابدي , وسيجرجرونا معهم الى نوم ابدي أيضا .
Post Views: 4