من ابن الجوزي إلى تشيبولا …سيرة الغباء التىّ لم تُكتب …

مروان صباح :
جريدة النهار الكويتية | عبدالرزاق البصير فقد البصر لا البصيرة    هناك أشياء يضحك منها الإنسان لأنها تبدو صغيرة ، ثم يكتشف بعد زمن أنها كانت أكبر من أن تُستهان ، فالشر شغل الفلاسفة ، والاستبداد ملأ كتب المؤرخين ، والفساد أصبح موضوعًا للدراسة والتحليل ، أما الغباء فظل طويلًا مقيمًا في منطقة النكات والطرائف ، وكأن ما لا تحكمه نية سيئة لا يمكن أن يكون مصدرًا للخطر ، لكن التاريخ يروي لنا أن كثيرًا من المآسي لم تكن دائمًا نتيجة عقول شريرة ، بل في كثير من أحيانًا نتيجة عقول عجزت عن رؤية ما تصنعه ، فالإنسان قد يواجه خصمًا يعرفه ، لكنه يعجز أمام خصم لا يدرك أصلًا أنه خصم ، ولعل جوزيه ساراماغو، في روايته «العمى» ، كان من أكثر من اقتربوا من هذه الفكرة بلغة الأدب ، فالعمى في الرواية لم يكن مجرد فقدان للبصر ، بل فقدانًا للبصيرة ؛ لحظة يصبح فيها الإنسان عاجزًا عن رؤية الحقيقة حتى لو كانت أمامه ، وعندما تغيب القدرة على التمييز ، لا يحتاج الخراب دائمًا إلى قوة خارجية ، إذ يكفي أن يفقد المجتمع بوصلته حتى يبدأ التفكك من داخله .
قبل ساراماغو بقرون ، كان ابن الجوزي قد اقترب من الظاهرة نفسها ، ولكن من باب مختلف ، ففي كتابه الشهير «الحمقى والمغفلين» ، لم يقدم الغباء بوصفه خطرًا اجتماعيًا ، بل بوصفه مفارقة إنسانية تستحق التأمل والابتسام ، جمع الحكايات التىّ تكشف تناقضات البشر ، ورأى أن قراءة أخبار الحمقى تمنح الإنسان شيئًا من الحكمة ، لأنها تكشف له كيف يمكن للعقل أن يضل طريقه ، وهنا تظهر إحدى أكثر المفارقات الإنسانية إثارة : لماذا نضحك من الغباء؟ ، ربما لأن الضحك هو الطريقة التىّ يحاول بها الإنسان أن يضع مسافة بينه وبين ما لا يستطيع فهمه ، نحن نضحك من الخطأ حين يكون بعيدًا ، ومن العبث حين لا يمس حياتنا مباشرة ، وكأن الضحكة محاولة لتحويل الفوضى إلى حكاية ، والخطر إلى مشهد يمكن احتماله ، لكن العالم تغير ، فالغباء الذي كان في الماضي شأنًا فرديًا محدود الأثر ، أصبح في زمن المؤسسات والدول الحديثة قادرًا على تجاوز صاحبه ، فالقرار الواحد قد لا يبقى داخل حدود صاحبه ، بل قد يمتد أثره إلى جماعة أو مؤسسة أو مجتمع بأكمله .
وهنا يأتي كارلو تشيبولا ليقدم التحول الأكبر في فهم هذه الظاهرة ، فهو لم ينظر إلى الغباء بوصفه نقصًا في المعرفة ، بل بوصفه سلوكًا له نتائج مدمرة ، وكانت فكرته الأكثر إثارة للقلق أن أخطر إنسان ليس بالضرورة هو الشرير ، بل هو ذلك الشخص الذي يسبب الضرر لنفسه وللآخرين في الوقت نفسه ، دون أن يحقق أي منفعة ، فاللص يمكن فهمه لأنه يبحث عن مكسب ، والمستبد يمكن تفسيره لأنه يسعى إلى السلطة ، والفاسد تحركه مصلحة واضحة ، أما الغبي ، فهو أكثر إرباكًا ؛ لأنه لا يعمل وفق منطق يمكن توقعه ، ولا وفق هدف يمكن احتواؤه ، إنه يهدم دون أن يبني ، ويخسر دون أن يتعلم ، ويورط الآخرين دون أن يدرك حجم ما فعل ، ولهذا تبدو ملاحظة تشيبولا قاسية ومقلقة : الغباء لا يرتبط بالطبقة أو الشهادة أو المنصب ، فقد يكون الإنسان متعلم لكنه ضعيف البصيرة ، وقد يحمل ألقابًا كبيرة لكنه يتخذ قرارات صغيرة في نتائجها وكبيرة في خسائرها ، فالتعلم يمنح الإنسان المناصب ، لكنه لا يضمن دائمًا حسن استخدامها .
وهنا يلتقي ابن الجوزي مع تشيبولا رغم اختلاف القرون ، الأول رأى الغباء من الخارج ، فضحك من مفارقاته ، والثاني نظر إليه من الداخل ، فرأى ما يمكن أن يتركه من آثار ، وبين النظرتين رحلة طويلة تغيرت فيها صورة الغباء : من قصة تُروى للتسلية ، إلى ظاهرة تستحق الحذر ، وربما لهذا السبب تأتي تلك الضحكة التىّ يشعر بها الإنسان بعد النجاة من حالة طويلة من الاستنزاف ، ليست ضحكة شماتة ، ولا استخفافًا بما حدث ، بل لحظة نفسية معقدة يشعر فيها الإنسان بأنه خرج من محيط الغباء وعبء لم يكن قادرًا على تفسيره ، فهناك أشياء لا تنتهي بالغضب ، بل تنتهي بضحكة ؛ لأن العقل ، بعد أن يستعيد حريته ، يحاول أن يستوعب كيف مرّ بكل ذلك .
في النهاية، لم تكن سيرة الغباء التىّ كتبها ابن الجوزي مجرد أخبار عن الحمقى ، ولم تكن دراسة تشيبولا مجرد تصنيف للبشر ، بل كان كلاهما يقترب من سؤال واحد : كيف يتعامل الإنسان مع عجزه عن رؤية الحقيقة؟ ، فالغبي لا يُرجى منه تغييرٌ ولا يُنتظر منه كثير ، فقد قيل كما نُسب إلى ابن الجوزي: «صدّق إذا قيل لك إن غنيًّا افتقر ، وصدّق إذا قيل لك إن حيًّا مات ، ولا تصدّق إذا قيل لك إن أحمقَ اكتسب عقلًا ؛ فإن تغيّر الحال أهون من تغيّر الطبع» .

وربما كان أكبر خطأ ارتكبناه أننا ضحكنا من الغباء طويلًا ، قبل أن ندرك أن بعض ما يثير الضحك قد يكون قادرًا على صناعة أكثر اللحظات جدية في حياة البشر … والسلام 🙋‍♂️ 

See less

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *