اما في علم التاريخ والبحوث والتنقيب
فقد ولدت القيم منذ تشكل الوعي الانساني والشعور بضرورة التعاون الجماعي للنجاة في ظل تلك الظروف البدائية القاسية فقد فرضت الحاجة التعاون في الصيد والعدل في القسمة والتوزيع للصيد والطعام والعناية بالضعفاء كالأطفال والنساء وكبار السن
أي الرحمة وكلها من القيم الانسانية وتطورت تلك القيم مع تطور الحياة البشرية وتعقيداتها الى ان ظهر المبشرون والمفكرون في انحاء الأرض المعروفة أنذاك بداية من وادي النيل بما يقارب ثلاثة ألاف عام قبل الميلاد في قانون …ماعت…. المتعلقة بالأخلاق وحساب النفس ومواجهة الاله وقت الحساب ومن ثم لدى سومر في قانون …أورنامو…2100 قبل الميلاد الى شريعة حمورابي 1750 قبل الميلاد
ومن ثم في الصين والهند كاكونفوشيوسية والبوذية الى الأغريق على يد السفسطائيين ومن ثم سقراط وأفلاطون وارسطو اللذين اسسوا عالم الأخلاق والمثل بداية من قول…أعرف نفسك…. الى القانون الروماني اللذي كان صلة الوصل بين الحاضر والماضي الى عصر النهضة الى العصر الحديث وقوانين حقوق الانسان اللتي أقرت عام 1948 بالاعلان العالمي لحقوق الانسان
مما سبق يظهر حجم الاهتمام بالقيم والاخلاق الانسانية ووضع قوانين وعقوبات لحمايتها ….لاشك أنه اهتمام كبير وجسيم والسؤال المهم هنا هل نجحت تلك المساعي في تحقيق غاياتها او حتى اوشكت على فعل ذلك وهل كانت تلك الأعمال صادقة في نواياها بما يتطابق مع شعاراتها ….؟
من خلال مراجعة هذا التاريخ الطويل للسعي الى تحقيق القيم والأخلاق الانسانية لانجد الا الفشل المستمر المتوالي على مر تلك العصور نستثني حالة خاصة هي قوانين حمو رابي لأنها اهتمت بوضع قوانين وعقوبات جسدية صارمة معلنة في الشوارع والساحات ولم تلتفت الى بحث خبايا النفس والأخلاق والقيم بل عملت من خلال القوانين والعقوبات على الحفاظ عليها دون الخوض في تفاصيلها ومتاهاتها وأظنها كانت النواة الأولى لما يشبه الدولة المدنية تلك محاولة جديرة بالذكر والتقدير كونها تجاوزت أوهام كثيرة وتعاملت مع الواقع بشدة وصرامة للصالح العام مع استثناء المساواة بين المواطنين واستمرت شريعة وقوانين حمو رابي بتأثيرها القوي في قوانين الدولة الرومانية في تعاملها مع الواقع بعيدا عن المثل والأخلاق للصالح العام وأخر من تعامل مع الواقع بموضوعية كان الفيلسوف والمفكر في عصر النهضة نيكولو ماكيافيلي بعيدا عن القيم والأخلاق الانسانية وتميز ببراغماتيته لكن كان الهدف الصالح العام وليس دعم التسلط والديكتاتورية بشكل مطلق ..نعود الى مرابع النفس البشرية وميولها الغرائزية
اللتي تشكل الجانب المسيطر دون شك
واللذي كثيرا مايلجأ للتخفي والمراوغة
تحت شعارات القيم والأخلاق حتى يتمكن من تحقيق طموحاته أو أحلامه
وان اردنا الحقيقة يجب أن نعترف صراحة بأننا أكثر وحشية وميلا للاجرام
وأقرب في طبيعتنا الى القسوة من القيم والأخلاق وأننا مستعدون للمتاجرة بها واتخاذها وسيلة لتحقيق أهداف أنانية طالما استطعنا ذلك ..
والخلاصة هل هو اليأس ونهاية الطريق
أم هناك سبيل ووسيلة لتحقيق مجتمع أمن يضمن حياة كريمة ويحقق عدالة بين مواطنيه وعيشا كريما في مقابل التنازل عن بعض الحقوق والحريات هل
ذلك يجدي أو هل يستحق الأمر البحث والمحاولة ….؟
