مروان صباح
لا يولد الإنسان ناضجًا ، بل يقطع رحلة طويلة من النمو الجسدي والعقلي والنفسي حتى يصبح قادرًا على مواجهة العالم بمسؤولية واستقلالية ، والأمم ، بدورها ، لا تختلف كثيرًا عن الأفراد ؛ فهي أيضًا تمر بمراحل من الطفولة والمراهقة والرشد ، غير أن بعض المجتمعات تنجح في تجاوز طفولتها التاريخية ، بينما يطيل بعضها الآخر الإقامة فيها ، حتى يصبح الماضي ملاذًا دائمًا ، ويغدو الخوف من التغيير جزءًا من الهوية لا مجرد رد فعل على الأزمات ، ولعل هذه الصورة تنطبق ، بدرجات متفاوتة ، على الواقع العربي ، فبينما يتسارع العالم في إنتاج المعرفة والعلوم والتكنولوجيا ، ما يزال العربي منشغلًا بإعادة إنتاج الأسئلة القديمة ، وكأن الزمن توقف عند لحظة تاريخية بعينها ، وفي الوقت الذي تتبدل فيه موازين القوى ، وتتغير أدوات النفوذ ، وتُعاد صياغة خرائط العالم ، يبقى العقل العربي مثقلًا بجراحه ، يتلقى الضربة تلو الأخرى ، فينصرف إلى ترميم ذاكرته أكثر من انشغاله ببناء مستقبله ، ولا يعود ذلك إلى عجز فطري عن التفكير أو إلى رفض غريزي للنضج ، فالإنسان مفطور على النمو ، وكما يحتاج الجسد إلى الغذاء ليستمر ، يحتاج العقل إلى المعرفة ليكتمل ، غير أن الفارق بينهما كبير؛ فالجوع البيولوجي يدفع الإنسان إلى الطعام تلقائيًا ، أما الجوع المعرفي فلا ينشأ إلا عندما يدرك الإنسان أن جهله أخطر من فقره ، وأن المعرفة ليست ترفًا ثقافيًا ، بل شرطًا للبقاء ، ولعل في أول كلمة نزل بها الوحي على النبي محمد ﷺ دلالة تتجاوز معناها اللغوي ؛ فالأمر الإلهي : «اقرأ» لم يكن دعوة إلى القراءة المجردة ، بل إعلانًا عن أن النهضة تبدأ من المعرفة ، وأن بناء الحضارة يبدأ ببناء العقل ، غير أن القراءة ليست غاية في ذاتها ، فكم من قارئ لم يغادر حدود التلقين ، وكم من متعلم بقي أسير الخوف من السؤال ، فالعقل لا ينضج بكثرة المعلومات ، وإنما بقدرته على النقد والمراجعة وإعادة التفكير ، ويذهب علماء النفس ، وفي مقدمتهم ” جان بياجيه وإريك إريكسون ، أمريكي وهو عالم النفس التنموي ، إلى أن الطفولة ليست مرحلة عمرية فحسب ، بل طريقة في إدراك العالم ، فالانتقال من حضن الأم إلى الروضة ، ثم إلى المدرسة ، ليس مجرد انتقال مكاني ، وإنما انفصال نفسي عن الاعتماد المطلق ، وبداية لتحمل المسؤولية ، غير أن هذا الانتقال لا يتم بلا مقاومة ؛ فالخيال والعاطفة غالبًا ما يتأخران عن نضج العقل ، ولذلك يحاول الإنسان ، في كثير من الأحيان، تأجيل مواجهة الواقع والاحتماء بما اعتاده ، وهذا ما يحدث أيضًا للشعوب ، فالمجتمعات التىّ تعجز عن إنتاج معرفة جديدة تميل إلى الاحتماء بالماضي ، ليس حبًا بالتاريخ ، بل خوفًا من المستقبل ، ولذلك تصبح الذاكرة بديلًا عن المشروع ، والبطولة التاريخية تعويضًا عن العجز الراهن ، وقد عبّر الأدب العالمي عن هذه الفكرة بطرائق مختلفة ؛ ففي رواية «سيد الذباب» لوليام غولدنغ ، بريطاني وحائز على نوبل ، لا يتحول الأطفال إلى العنف لأنهم أشرار بطبيعتهم ، بل لأن غياب العقل المنظم والمؤسسات أطلق العنان للغرائز البدائية ، وكأن الرسالة تقول إن الإنسان ، فردًا كان أم جماعة ، لا يخرج من طفولته إلا عندما يحتكم إلى العقل والقانون .
ولم يكن الت السياسي بين بغداد وقرطبة ، بقيت الحضارة الإسل ازدهارها ، قادرة على إنتاج معارك فكرية كبرى ، لم تكن تدور حول الأشخاص بقدر ما كانت تدور اريخ الإسلامي استثناءً من هذه القاعدة ، فعلى الرغم مامية ، في أوجن الانقسامحول الأفكار ، ولعل أبرزها السجال الفلسفي بين الغزالي وابن رشد ، وهو سجال تجاوز حدود زمانه ، وترك أثرًا عميقًا في تاريخ الفكر الإنساني ، ففي كتاب «تهافت الفلاسفة» لم يكن الغزالي يهاجم الفلسفة من موقع الجهل بها ، بل من موقع العارف بأدواتها ، وقد وجّه نقدًا دقيقًا للفلاسفة المسلمين المتأثرين بأرسطو ، وانتهى تشريحهم في ثلاث مسائل : القول بأزلية العالم ، والقول إن الله يعلم الكليات دون الجزئيات ، وإنكار البعث الجسماني ، كما وجّه نقدًا جذريًا لمبدأ السببية ، معتبرًا أن اقتران الأسباب بمسبباتها ليس ضرورة عقلية ، وإنما عادة أجراها الله ، ويمكنه أن يخرقها متى شاء ، ولم يتأخر ابن رشد في الرد ، فكتب «تهافت التهافت» دفاعًا عن البرهان العقلي ، محذرًا من أن نفي السببية لا يقوض الفلسفة وحدها ، بل يهدد إمكان قيام العلم نفسه ؛ إذ كيف يمكن اكتشاف قوانين الطبيعة إذا كانت العلاقات بين الظواهر لا تقوم على انتظام يمكن للعقل إدراكه؟ لقد رأى ابن رشد أن الإيمان بحكمة الخالق لا يتعارض مع انتظام الكون ، بل إن هذا الانتظام هو أحد تجليات تلك الحكمة .
غير أن المفارقة لم تكن في قوة الحجج ، بل في مصيرها التاريخي ، ففي العالم الإسلامي، مال ميزان الثقافة تدريجيًا إلى إضعاف الفلسفة العقلانية ، بينما وجدت شروح ابن رشد طريقها إلى الجامعات الأوروبية ، حيث أصبحت أحد المفاتيح الرئيسة لفهم أرسطو ، وأسهمت ، مع عوامل تاريخية أخرى ، في تمهيد الطريق أمام عصر النهضة ، ومنذ ذلك الحين ، لم يتوقف الغرب عن إدارة معاركه الفكرية ، فقد شكك الفرنسي رينيه ديكارت في المسلمات ليؤسس منهجًا جديدًا للعقل ، ثم جاء الاسكتلندي ديفيد هيوم لينتقد مفهوم السببية ذاته ، قبل أن يحاول الألماني إيمانويل كانط التوفيق بين العقل والتجربة ، وبعد ذلك احتدم الجدل بين الألمانيين هيغل وماركس حول محرك التاريخ ، ثم بين الفرنسيين سارتر وفوكو حول الحرية والسلطة ، ولاحقًا بين الالماني الاجتماعي هابرماس وفلاسفة ما بعد الحداثة حول مستقبل العقل والديمقراطية ، لم يكن الهدف من هذه الصراعات الوصول إلى إجماع نهائي ، بل إبقاء المعرفة في حالة حركة دائمة ، ولهذا لم تكن الجامعات الأوروبية مجرد مؤسسات تعليمية ، بل ساحات مفتوحة لاختبار الأفكار ، ومن هذه الثقافة النقدية خرجت الثورة الصناعية ، ثم الثورة العلمية ، ثم الاقتصاد المعرفي ، وصولًا إلى وادي السيليكون في منطقة خليج سان فرانسيسكو، الذي لم يُبنَ على الوفاق ، بل على التنافس الحر بين العقول ، وعلى الاعتراف بأن كل فكرة قابلة للنقد ، وكل نظرية قابلة للتجاوز .
إن الحضارات لا تتقدم لأنها تخلو من الخلاف ، وإنما لأنها تعرف كيف تدير خلافاتها ، فحين يتحول الاختلاف إلى صراع على الأشخاص ، تتوقف المعرفة ويبدأ الانقسام ، أما حين يصبح الاختلاف تنافسًا بين الحجج ، فإن المجتمع يراكم خبرته ، حتى وإن أخطأ في بعض محطاته ، وهنا تكمن المعضلة العربية ، فليست الأزمة في نقص الموارد ، ولا في غياب الطاقات البشرية ، بل في أن معاركنا لم تعد تُخاض حول الأفكار بقدر ما تُخاض حول الهويات والانتماءات والولاءات والمكاسب ، ولهذا تراجع السؤال ، وتقدست الإجابات، وغاب النقد ، وحلّت مكانه الإفسادات المغلقة ، فكيف يُرجى من أجيالٍ أن تبلغ رشدها ، وهي لم تُحسن بعدُ فِطامَها؟ وكيف لها أن تؤمن بأن الفِطام هو أولُ شروط النضوج ومفتاحُ التقدّم ، وهي لا تزال تتشبث بأثداء أمهاتها ، حتى لتستدعيهن في أحلامها ، وتلحق بهن إلى داخل قبورهن .
إن الأمة التىّ تخشى السؤال تشبه الطفل الذي يخاف مغادرة حضن أمه ؛ كلاهما يبحث عن الأمان ، لكنه يؤجل النضج حتى تتبلور لديه مفاهيم يقينية باعدامه ، أما الأمم التىّ تمتلك شجاعة مراجعة نفسها ، فإنها ، مهما تعثرت ، تظل قادرة على النهوض من جديد ، والتاريخ ، في نهاية المطاف ، لا يكافئ من يحفظ الماضي ، بل من يتعلم منه ، ثم يمتلك الجرأة على تجاوزه وصناعة مستقبله …والسلام
See less
