مروان صباح:
لم يكن القناع الذهبي الذي غطّى وجه الفرعون توت عنخ آمون مجرد تحفة جنائزية بلغت ذروة الإبداع الفني ، بل كان رسالة مبكرة عن واحدة من أقدم الظواهر الإنسانية ؛ أن الإنسان لا يكتفي بما هو عليه ، بل يحرص دائمًا على تقديم الصورة التىّ يريد للآخرين أن يتذكروه بها ، فقد أخفى الذهب ملامح الجسد المحنط ، لكنه منح صاحبه حضورًا يتجاوز الزمن ، وكأن التاريخ لا يحتفظ بالوجوه كما هي ، بل بالوجوه التىّ يختارها أصحابها لأن تبقى ، ومنذ ذلك الحين ، لم تتوقف البشرية عن صناعة الأقنعة ، إلا أن الذهب استُبدل بالمكانة الاجتماعية ، واللغة ، والسلطة ، والثروة ، والهيبة ، حتى أصبح القناع جزءًا من البناء النفسي والاجتماعي للإنسان ، ولم يكن الأدب العالمي بعيدًا عن هذه الحقيقة ؛ ففي رواية شبح الأوبرا كان القناع يخفي جراح الروح أكثر مما يخفي تشوه الوجه ، وفي الرجل ذو القناع الحديدي تحول إلى وسيلة لمحو الهوية باسم السلطة ، بينما أصبح في V for Vendetta رمزًا لفكرة تتجاوز الفرد ، وكأن الأدب أراد أن يقول إن أخطر الأقنعة ليست تلك التىّ تُرتدى على الوجوه ، بل تلك التىّ تُلبس للأفكار والضمائر والذاكرة ، ومنذ أن يغادر الإنسان منزله ، يبدأ في ارتداء أول أقنعته الاجتماعية ، فهو لا يدخل إلى العالم بوجهه المجرد ، وإنما بالشخصية التىّ يعتقد أنها أكثر قبولًا لدى الآخرين ، فالابن ليس هو الموظف ، والموظف ليس هو الصديق ، والصديق ليس هو الزوج ، ولكل مقام لغته وسلوكه وهيئته ، لذلك، لا تُعد الأقنعة الاجتماعية نفاقًا بالضرورة ، بل تمثل قدرًا من اللياقة التىّ تفرضها طبيعة العيش المشترك ، فالإنسان لا يستطيع أن يقول كل ما يفكر فيه ، ولا أن يُظهر كل ما يشعر به ، وإلا تحولت الحياة إلى فوضى من الصدامات والانفعالات .لكن الخط الفاصل بين التكيف الاجتماعي والتزييف يبقى شديد الدقة ، فالقناع الذي يبدأ وسيلةً لتنظيم العلاقات قد يتحول مع الزمن إلى هوية كاملة ، حتى ينسى الإنسان ملامحه الأولى ، فالمتقدم إلى وظيفة يقدم أفضل نسخة عن نفسه ، والمقبل على الزواج يخفي كثيرًا من عيوبه ، والسياسي يختار كلماته بعناية ، ورجل الأعمال يبتسم حتى في أشد لحظات القلق ، ومع مرور الزمن لا يعود الإنسان يمثل أمام الآخرين فحسب ، بل يبدأ في تصديق الشخصية التىّ صنعها ، فتبتلع الصورة الحقيقة ، ويغدو القناع أكثر حضورًا من الوجه ، ولعل ما يثير التأمل أن أحدًا لا يتعلم ارتداء الأقنعة في المدارس ، فهي مهارة تنمو مع التجربة الإنسانية نفسها ، وربما لهذا السبب يبدو فن التمثيل امتدادًا طبيعيًا للحياة اليومية ؛ فالممثل لا يبتكر الأقنعة ، بل يصقل ما يمارسه الناس كل يوم ، وما يميز إنسانًا عن آخر ليس امتلاك القناع ، وإنما القدرة على إتقانه ، وعلى إخفاء المسافة الفاصلة بين ما يشعر به وما يظهره للناس ، وكلما ارتفع الإنسان في السلم الاجتماعي ، ازداد قناعه تعقيدًا ، فالموظف يمثل المؤسسة ، والقاضي يمثل العدالة ، ورجل الدين يمثل المقدس ، والسياسي يمثل الدولة أو الحزب ، حتى يصبح المنصب هو الشخصية ، بينما يتراجع الإنسان خلفها ، وعند هذه المرحلة لا يعود الآخرون يتعاملون مع الفرد ، بل مع الرمز الذي يجسده ، والأسوأ أن صاحب المنصب نفسه قد يندمج في دوره إلى الحد الذي يعجز فيه عن العيش خارجه ، فتتحول خسارة السلطة أو الوظيفة أو المكانة إلى أزمة هوية ، لأنه يكتشف أن الشخصية التىّ عاش بها لم تكن سوى القناع الذي فرضه عليه موقعه ، فعلى سبيل المثال ، لا يبقى شرطي المرور ، أثناء ممارسته لعمله وارتدائه الزي الرسمي ، مجرد فرد بصفاته الشخصية ، بل يتحول إلى تجسيد لسلطة النظام والنفوذ ، ومن هنا يمكن فهم المشهد الذي قد تتوسل فيه امرأة ثرية ، تقود سيارة فاخرة ، إلى الشرطي كي لا يحرر بحقها مخالفة مرورية ، رغم أن قيمتها المادية لا تمثل شيئًا يُذكر بالنسبة إليها ، فالمسألة لا تتعلق بالعبء المالي ، بل بالعلاقة الرمزية مع السلطة ؛ إذ إن الثروة ، مهما بلغت ، لا تلغي البنى السلوكية العميقة التىّ رسختها الخبرة الإنسانية عبر الأجيال ، ففي مواجهة السلطة ، يستجيب الإنسان لأنماط سلوك متجذرة تتجاوز الحسابات العقلانية والمادية ، فيتراجع حضوره الشخصي مؤقتًا لصالح القناع الذي تفرضه الأدوار الاجتماعية ، ويتصرف وفق مقتضيات الموقف أكثر مما يتصرف وفق هويته الفردية .
ومن هنا تبدأ السياسة بمعناها الأعمق ، فالدولة ليست كيانًا منفصلًا عن المجتمع ، بل هي صورته المكبرة ، فإذا كان الفرد يرتدي قناعًا لينال القبول ، فإن المؤسسة ترتدي قناعًا لتحصل على الثقة ، والحزب يصوغ قناعًا ليكسب الأنصار ، والدولة تبني صورة عن نفسها لتحافظ على شرعيتها ، وهكذا تصبح الأقنعة الاجتماعية المادة الخام التىّ تُصنع منها الأقنعة السياسية ، فلا تعود السلطة قائمة على القوة وحدها ، بل على القدرة في تشكيل الانطباعات وإدارة الوعي وصناعة الرواية التىّ يريد المجتمع أن يصدقها ، ولذلك لم يعد أخطر أشكال السلطة هو احتكار القوة ، بل احتكار الصورة ، فالإعلام ، والإعلان ، والخطاب السياسي ، ومنصات التواصل الاجتماعي ، لم تعد تنقل الوقائع كما هي ، بل تعيد إنتاجها في قوالب أكثر جاذبية وتأثيرًا ضمن ما يسمى أو يطلق عليه بالفوتوشوب ، حتى أصبح الوهم ، في كثير من الأحيان ، أكثر نفوذًا من الحقيقة ، ومن ينجح في السيطرة على خيال الناس ، لا يحتاج دائمًا إلى السيطرة على أجسادهم ، لأن الإنسان كثيرًا ما يدافع عن الصورة التىّ صدقها ، حتى وإن كانت تخفي واقعًا مغايرًا .
ولو عاد توت عنخ آمون إلى الحياة ، لربما وجد أن قناعه الذهبي ، الذي صُنع ليغطي وجه ميت ، كان أكثر صدقًا من أقنعة العصر الحديث ، فهو لم يدّعِ أنه الحقيقة ، بل أعلن منذ البداية أنه مجرد غطاء لوجه غاب عن الحياة ، بينما ترتدي مجتمعات اليوم أقنعة تدّعي أنها الحقيقة ذاتها ، وهي في كثير من الأحيان ليست سوى صور مصقولة تخفي خلفها المصالح والمخاوف والطموحات .
لذلك ، ليست المشكلة في أن الإنسان يرتدي قناعًا ، فالحياة الاجتماعية لا تستقيم من دون شيء من المجاملة وضبط النفس واحترام المقامات ، وإنما تبدأ المأساة حين ينسى وجهه الحقيقي ، ويمنح القناع حق تمثيله إلى الأبد ، عندها لا يعود القناع وسيلة للتكيف ، بل يصبح بنية ثقافية واجتماعية وسياسية تعيد تشكيل الإنسان والمجتمع معًا ، حتى يغدو البحث عن الحقيقة أصعب من صناعة الوهم ، ويصبح الوجه الحقيقي آخر ما يمكن رؤيته خلف الأقنعة اللامعة…والسلام
Weniger anzeigen
