مروان صباح :
إن فقدان القدرة على إنتاج المعنى لا يؤدي فقط إلى أزمة هوية، بل يؤسس أيضاً لثقافة القطيع ؛ تلك الثقافة التىّ تُضعف استقلال الفرد وتدفعه إلى التشابه مع الجماعة بدل مساءلتها ، فعندما يتراجع الوعي النقدي ، لا تتقارب العقول لأنها وصلت إلى الحقيقة ، بل لأنها فقدت قدرتها على الاختلاف ، وأصبحت أكثر استعداداً لتكرار الأفكار السائدة دون فحص أو مراجعة ، وهذا العري الثقافي لا يظهر فقط في تقليد الأنماط الخارجية ، بل في تراجع ثقة الإنسان بذاته وتاريخه وقدرته على إنتاج رؤيته الخاصة ، وعندما يصبح المجتمع مستهلكاً للأفكار بدلاً من أن يكون منتجاً لها ، تتحول الثقافة إلى مجرد انعكاس لما يُفرض عليها ، لا لما تختاره بوعي ، ومن هنا لا أجد سبباً للتمسك بالألقاب التىّ تحيط الإنسان بهالة رمزية ، سواء كانت أستاذاً أو مفكراً أو مثقفاً أو مرجعاً ؛ فالألقاب ، مهما كانت قيمتها ، قد تتحول أحياناً إلى سلطة تمنح صاحبها حصانة اجتماعية أكثر مما تعكس حقيقة معرفته ، فالإنسان الحر لا يستمد قيمته مما يسبق اسمه ، وإنما مما يقدمه من فكرة ، ومن قدرته على مراجعة ذاته والاعتراف بإمكان الخطأ ، ولهذا أكتفي بأن أُنادى باسمي ، لأن الحرية تبدأ عندما يتحرر الإنسان من الحاجة إلى الاحتماء بالأوصاف ، لا عندما يتخلى عن احترام المعرفة وأصحابها ، فالمعرفة الحقيقية لا تحتاج إلى سلطة الاسم ، بل إلى قوة الفكرة .
ومنذ الثورة الصناعية، لم يقتصر التحول الحضاري على تغيير وسائل الإنتاج ، بل امتد إلى إعادة تشكيل نظرة الإنسان إلى نفسه وإلى العالم ، فقد استطاعت المجتمعات الغربية ، من خلال تقدمها العلمي والمؤسساتي والاقتصادي ، أن تؤثر في أنماط التفكير العالمية ، فلم تنتقل السلع والتقنيات فقط ، بل انتقلت معها مفاهيم ومعايير أعادت تعريف الإنسان للنجاح ، والحرية ، والحياة ، غير أن المفاهيم الإنسانية لا تنشأ خارج التاريخ ؛ فهي دائماً مرتبطة بالظروف التىّ أنتجتها ،لذلك فإن تعريفات مثل “الطبيعي” و”غير الطبيعي”، و”العاقل” و”المجنون”، و”المقبول” و”المرفوض”، ليست منفصلة عن السياقات الثقافية والاجتماعية التىّ تمنحها معناها ، فما يُنظر إليه في عصر معين باعتباره ثابتاً قد يصبح موضوعاً لإعادة النظر في عصر آخر ، لأن الإنسان لا يعيش خارج حركة التاريخ ، ومن هنا فإن فهم التحولات الاجتماعية المعاصرة يحتاج إلى تجاوز الأحكام السريعة ، والنظر إليها باعتبارها نتاجاً لتفاعل معقد بين الثقافة والاقتصاد والسياسة والإعلام ، فالكثير من الظواهر التىّ تظهر في المجتمع لا يمكن تفسيرها بعامل واحد ، لأنها تتشكل داخل شبكة واسعة من الظروف التىّ تؤثر في الإنسان وخياراته .
ولم يكن الأدب العالمي بعيداً عن هذه الأسئلة ، فالرواية العظيمة لا تنشغل بالظاهرة وحدها ، بل بالإنسان الذي يقف خلفها ، وبالصراعات الداخلية والاجتماعية التي تشكل تجربته ، ففي رواية الغرفة جيوفاني للكاتب جيمس بالدوين ، لا نجد معالجة سطحية لقضية الهوية والرغبة ، بل تصويراً لصراع الإنسان بين ذاته الداخلية ، والصورة التىّ يفرضها المجتمع عليه ، والخوف من الإقصاء أو الرفض ، فالأدب هنا لا يصدر حكماً جاهزاً ، وإنما يكشف كيف تتداخل الحرية الفردية مع الضغوط الاجتماعية والثقافية التىّ تحيط بالإنسان ، ومن هذا المنطلق ، فإن التحولات المتعلقة بالعلاقات الإنسانية والجسد والرغبة لا يمكن فهمها خارج سياقها التاريخي ، فهي ليست ظواهر منفصلة عن المجتمع ، بل تتأثر دائماً بالبنية الثقافية والاقتصادية والإعلامية التي تنتجها ، ولذلك فإن اختزالها في تفسير واحد ، سواء كان أخلاقياً أو نفسياً أو اقتصادياً، يؤدي غالباً إلى قراءة ناقصة لطبيعة التحول الاجتماعي.
وينطبق الأمر ذاته على ظاهرة الدعارة والشذوذ الجنسي للمثلين من الطرفين ، التىّ لم تكن عبر التاريخ ظاهرة ثابتة ، بل تغيرت أشكالها تبعاً لتغير المجتمعات وأنظمتها وقيمها ، فسياسات العزل والإقصاء لم تؤدِّ دائماً إلى إنهائها ، بل دفعتها في كثير من الحالات إلى إعادة تشكيل حضورها بطرق أكثر تعقيداً ، وفي العصر الرقمي ، انتقلت بعض هذه الممارسات إلى فضاءات جديدة ، حيث تداخلت بصورة أكبر مع الاقتصاد والإعلام وثقافة الاستهلاك ، وأصبحت بعض المصطلحات المرتبطة بهذه العلاقات جزءاً من التداول الاجتماعي بين فئات مختلفة ، ولا يمكن قراءة هذه التحولات باعتبارها مجرد انحرافات فردية ، بل باعتبارها انعكاساً لتحولات أوسع أعادت تعريف علاقة الإنسان بالمال والجسد والرغبة ، فحين يدخل منطق السوق إلى مجالات كانت تُفهم سابقاً ضمن أطر اجتماعية وأخلاقية ، تتحول بعض جوانب الحياة الإنسانية إلى عناصر قابلة للتسويق ، ويصبح الإنسان معرضاً لأن يُنظر إليه أحياناً بوصفه قيمة استهلاكية قبل أن يُنظر إليه بوصفه كائناً له كرامته وتعقيده .
لقد نجح الاقتصاد الحديث في توسيع مفهوم السلعة حتى تجاوز الأشياء المادية ، فأصبحت الصورة والانتباه والرغبات جزءاً من دورة اقتصادية ضخمة ، وفي هذا السياق ، لا تعود السيطرة على الإنسان بحاجة دائماً إلى الإكراه المباشر ، إذ قد تمارس عبر تشكيل اهتماماته ، وإعادة ترتيب أولوياته ، وصناعة نماذج للنجاح والسعادة يظن أنه اختارها بحرية ، بينما هي في كثير من الأحيان نتاج منظومات ثقافية واقتصادية مؤثرة ، ولهذا فإن معركة الإنسان في القرن 21 ليست فقط مع الفقر أو الاستبداد السياسي ، بل أيضاً مع الحفاظ على استقلال عقله ، فالهيمنة الأكثر خطورة ليست دائماً تلك التىَ تُفرض بالقوة ، وإنما تلك التىّ تجعل الإنسان يتبنى الأفكار والاختيارات التىّ صيغت له، وهو يعتقد أنه يمارس حريته الكاملة.
إن المستقبل لن يُقاس فقط بما تمتلكه البشرية من تقنيات وثروات ، بل بقدرتها على حماية الإنسان من فقدان ذاته ، فالمجتمع الذي يمتلك عقلاً نقدياً يستطيع أن ينفتح على العالم دون أن يذوب فيه ، وأن يستفيد من التقدم دون أن يتحول إلى تابع له.
فالحرية الحقيقية لا تبدأ من امتلاك الأشياء، بل من امتلاك القدرة على التفكير فيها ، والعقل الحر هو آخر حصون الإنسان ؛ فإذا فقد الإنسان استقلاله الداخلي ، فقد أهم ما يميزه …والسلام
See less
