مروان صباح :
منذ أن عرف الإنسان النقود ، لم يكن المال يومًا عدوًا له ، ولم تكن العملات سببًا في الحروب أو الظلم أو انهيار الحضارات ، فالمال ، في جوهره ، ليس أكثر من وسيلة لتبادل المنافع وقياس القيمة ، أما الخطر الحقيقي ، فقد بدأ عندما تحولت الوسيلة إلى غاية ، وأصبح تراكم الثروة معيارًا للقوة ، لا أداةً لتحقيق الكفاية ، ومن هنا ، لا يعود السؤال : هل المال شر؟ بل يصبح : أيُّ إنسان يصنع هذا المال؟ وأيُّ نظام يحدد وظيفته؟ ، إن تحميل المال مسؤولية الأزمات الاقتصادية والاجتماعية تبسيطٌ يبتعد عن جوهر المشكلة ، فالمال لا يملك إرادة ، ولا يتخذ قرارًا ، ولا يستغل أحدًا ، الذي يفعل ذلك هو النظام الاقتصادي عندما يسمح بتراكم الثروة في يد قلة ، بينما يُنتجها ملايين العمال والموظفين الذين لا ينالون إلا جزءًا ضئيلًا من القيمة التي يصنعونها ، ومن هنا، فإن الفارق بين قيمة الإنتاج والأجر ليس مجرد معادلة اقتصادية ، بل هو جوهر العلاقة غير المتوازنة التىّ أنتجتها الرأسمالية الحديثة ، لقد مرّ العالم بتحولات متعاقبة ، من البرجوازية إلى الرأسمالية الصناعية ، ثم إلى الرأسمالية المالية ، وصولًا إلى ما يمكن وصفه بالرأسمالية المتوحشة ؛ حيث لم يعد رأس المال يبحث عن الربح فحسب ، بل عن تعظيمه بلا سقف أخلاقي أو اجتماعي ، وهكذا أصبح من المألوف أن تمتلك فئة محدودة ثروات تُقدَّر بمئات المليارات ، في الوقت الذي تعجز فيه مجتمعات بأكملها عن توفير الحد الأدنى من الغذاء أو العلاج أو السكن الكريم .
ولا تقف آثار هذا النموذج عند حدود الاقتصاد ، بل تمتد إلى البنية النفسية والاجتماعية للإنسان ، فعندما تصبح قيمة الفرد مرتبطة بما ينتجه ، وتصبح قيمة المستثمر مرتبطة بما يراكمه من أرباح ، تتحول العلاقات الإنسانية تدريجيًا إلى علاقات مادية بحتة ، ويغدو الإنسان رقمًا في معادلة الإنتاج والاستهلاك ، ومن هنا يتسلل شعور الاغتراب ؛ إذ يعيش الإنسان في وطنه ، لكنه لا يشعر بالانتماء إليه ، ويعمل في مؤسسته ، لكنه لا يرى نفسه شريكًا في ثمار جهده ، فينطفئ الإبداع ، ويتراجع الإحساس بالكرامة ، لتحل محلهما حالة من الاستنزاف الدائم ، ومع ذلك ، فإن الإنصاف الفكري يقتضي الاعتراف بأن الرأسمالية لم تكن وجهًا واحدًا ، فقد لعبت ، عبر مراحل طويلة ، دورًا محوريًا في الثورة الصناعية ، وفي تسريع التطور العلمي والتكنولوجي ، وفي بناء المدن الحديثة ، بل وفي دفع الإنسان إلى استكشاف الفضاء ، ولم يكن هذا التطور منفصلًا عن التنافس التاريخي بين الرأسمالية والطبقة العاملة ، إذ كثيرًا ما ولّد الصراع بين المصالح المتعارضة ابتكاراتٍ غيّرت وجه العالم ، غير أن التاريخ يُظهر أيضًا أن كل نظرية كبرى ، عندما تنفصل عن الضوابط الأخلاقية ، تحمل في داخلها قابلية التحول إلى أداة للهيمنة ، مهما كانت الشعارات التىّ ترفعها ، وهنا تبرز حقيقة أكثر عمقًا ؛ فالرأسمالية ليست سوى انعكاس لطبيعة الإنسان بقدر ما هي نظام اقتصادي ، فكل نظام يصنعه الإنسان يحمل شيئًا من فضائله ، ويحمل كذلك شيئًا من شهواته ، لذلك ، فإن البحث عن أصل الأزمة خارج الإنسان وحده يظل بحثًا ناقصًا ، لأن النظام ليس إلا صورة مكبرة لإرادة من أنشأه وأدار مؤسساته .
فالإنسان ، بطبيعته ، يجد سهولة في قول “نعم”، بينما يحتاج قول “لا” إلى تربية طويلة ، وإلى ضمير حي ، وإلى انضباط أخلاقي لا يتكون بين ليلة وضحاها ، ولهذا، فإن الغني والفقير يشتركان في ابتلاء واحد ، هو عدم الإشباع ، فالأول يخشى خسارة ما يملك ، والثاني يلهث وراء ما يفتقده ، وكلاهما قد يقع أسيرًا لرغبة لا تعرف الاكتفاء ، فإن الإرادة ، حين تنفصل عن الأخلاق ، تتحول إلى قوة عمياء ، وعندما تقود الرغبةُ العقلَ بدل أن يقودها العقل ، يصبح الأخير مجرد محامٍ بارع يبرر كل ما تريده النفس ، عندئذٍ لا يعود الظلم استثناءً ، بل يصبح وسيلة مقبولة لتحقيق الغايات ، وقد شهد التاريخ أممًا وأنظمة برّرت الحروب والإبادات والاستعمار باسم الأمن أو الحضارة أو التفوق ، بينما كان المحرك الحقيقي هو إرادة التوسع والسيطرة التىّ لا تعترف بحدود ، ومن هذا المنطلق ، فإن من يسحق خصومه من أجل المال ، أو الشهرة ، أو المنصب ، لا يختلف في الجوهر عن من يسحق الشعوب من أجل النفوذ ؛ فالوسائل تتغير ، أما الإرادة المنفلتة فتبقى واحدة ، ولعل الأدب العالمي قدّم صورة أكثر بلاغة لهذه الحقيقة في رواية «الشيخ والبحر» للكاتب الأمريكي إرنست همنغواي ، فالشيخ سانتياغو لم يخرج إلى البحر طمعًا في ثروة ، بل دفاعًا عن كرامة الإنسان وقدرته على الصمود ، وبعد أن انتصر على السمكة العملاقة ، جاءت أسماك القرش لتلتهمها في طريق العودة ، فلم يصل إلى الشاطئ إلا هيكلها العظمي ، ومع ذلك ، لم يكن الشيخ مهزومًا ؛ لأن قيمة الإنسان لا تُقاس بما يعود به من غنائم ، بل بما يحتفظ به من كرامة وإصرار ، لقد خسر الصيد ، لكنه لم يخسر نفسه ، أما الإنسان الذي يجعل المال غايته المطلقة ، فقد يربح العالم كله ، لكنه يخسر ذاته في الطريق ، لأنه يتحول إلى وحش ، من هنا ، فإن الأزمة ليست في الرأسمالية وحدها ، ولا في الاشتراكية ، ولا في أي نظرية أخرى تدّعي امتلاك الحقيقة المطلقة ، فكل نظام اقتصادي أو سياسي يظل رهينًا بالأخلاق التىّ تحكم الإنسان القائم عليه ، وإذا بقيت الإرادة أسيرة الطمع ، فإنها ستعيد إنتاج الظلم بأسماء مختلفة ، حتى لو تغيرت الشعارات والرايات .
