إاسرائيل بين أسبرطة والتاريخ: هل يبدأ زمن الفطام عن الحليف الأمريكي

مروان صباح:كاريكاتير: الحرب على إسرائيل | كاريكاتير | الجزيرة نت
يُجمع المؤرخون على أن الأمم التىّ تُحسن قراءة التاريخ لا تكتفي بفهم الماضي ، بل تمتلك القدرة على استشراف المستقبل وصناعة النفوذ طويل الأمد ، فالتاريخ ليس مجرد سجل للأحداث ، وإنما مختبر مفتوح للتجارب السياسية والعسكرية والاستراتيجية ، ومن يتأمل مساراته بعين ناقدة يكتسب من الحكمة والشجاعة ما يجعله أكثر قدرة على تجنب أخطاء السابقين ، أما الذين يتجاهلون دروس التاريخ ، فإنهم غالبًا ما يجدون أنفسهم يعيدون إنتاج مآسيه بأشكال مختلفة ، وكأن الزمن يمنحهم فرصة أخرى لارتكاب الأخطاء ذاتها ، من هذه الزاوية تحديدًا ، تبدو التجربة الإسرائيلية اليوم أقرب إلى استعادة نماذج تاريخية ظنت أن التحالف مع القوى العظمى ضمانة أبدية للبقاء ، قبل أن تكتشف أن السياسة الدولية لا تعترف إلا بالمصالح ، ولهذا ، فإن من يقرأ التحولات الجارية داخل إسرائيل يدرك أن الحديث المتزايد عن بناء “دولة أسبرطة” في الشرق الأوسط ليس مجرد توصيف عسكري ، بل تعبير عن قلق وجودي متنامٍ ، وعن إدراك متزايد بأن مرحلة الاعتماد المطلق على الحليف الأمريكي قد لا تستمر إلى الأبد ، العلاقات الأمريكية والأوروبية مع إسرائيل ، في ظل التحولات الدولية المتسارعة ، تستحضر نماذج كثيرة لحلفاء اعتمدوا على واشنطن حتى اللحظة الأخيرة ، فقد كان شاه إيران يُقدَّم بوصفه “شرطي الخليج”، لكنه سقط عندما تبدلت الحسابات الأمريكية ، وفي فيتنام الجنوبية أنفقت الولايات المتحدة مليارات الدولارات ، وقدمت آلاف القتلى دفاعًا عن حليفها ، قبل أن تنسحب وتتركه يواجه مصيره ، والمشهد نفسه تكرر في أفغانستان ، حيث أمضت واشنطن 20 عامًا تبني جيشًا أنفقت عليه مئات المليارات من الدولارات ليصمد لعقود ، لكنه انهار خلال ساعات بعد انسحاب القوات الأمريكية وسيطرة حركة طالبان على البلاد .
ولهذا ، لم يعد السؤال داخل إسرائيل متعلقًا بحجم الدعم الأمريكي ، وإنما بمستقبله ، فبعد المتغيرات السياسية والعسكرية والشعبية التىّ شهدتها السنوات الأخيرة ، بات السؤال يتردد في الأوساط الإسرائيلية : متى سيأتي دورنا؟ لقد عاد الشعور الذي رافق بدايات المشروع الصهيوني ، وعادت معه المخاوف من المستقبل ، وهو ما يفسر الدعوات المتكررة إلى تحويل إسرائيل إلى “أسبرطة” حديثة ، قادرة على القتال منفردة إذا اقتضت الضرورة ، ولعل شهادة الرئيس المصري الأسبق أنور السادات عن حرب أكتوبر 1973 تكشف بوضوح طبيعة العلاقة الأمريكية الإسرائيلية وحدود التحالفات الدولية ، فقد أكد السادات في مذكراته أن الأقمار الصناعية الأمريكية وُضعت بالكامل في خدمة الجيش الإسرائيلي ، وكانت تنقل إليه التحركات العسكرية المصرية لحظة بلحظة ، بما في ذلك تحرك الفرقة المدرعة 21 من الضفة الغربية لقناة السويس إلى الضفة الشرقية ، في محاولة لتخفيف الضغط عن الجبهة السورية بناءً على إلحاح الرئيس السوري حافظ الأسد ، وفي المقابل ، أقر السادات بأن الاتحاد السوفياتي ، رغم ادعائه الوقوف إلى جانب العرب ، لم يزود مصر بالمعلومات التىّ كانت أقمارُه الصناعية ترصدها خلال المعركة ، ولم يقدم مستوى الدعم الذي توقعه العرب من حليفهم الاستراتيجي ، ثم جاء التطور الأخطر عندما أقامت الولايات المتحدة جسرًا جويًا ضخمًا لإنقاذ إسرائيل من آثار خسائرها في الأيام الأولى للحرب ، فقد هبطت الطائرات الأمريكية العملاقة في مطار العريش ، الذي كان يقع خلف الجبهة ، محملة بالدبابات والذخائر وأحدث الأسلحة ، في وقت اعترف فيه الإسرائيليون أنفسهم بشراسة القتال وكفاءة الأداء العسكري المصري ، وما تكبدته قواتهم من خسائر كبيرة ، ولا سيما في سلاح المدرعات ، لقد كان الجسر الجوي الأمريكي ، الذي بدأ بصورة مكثفة منذ اليوم الرابع للحرب ، نقطة تحول رئيسية قلبت موازين المعركة على الأرض ، تمامًا كما فعلت الولايات المتحدة في جبهتي ألمانيا واليابان خلال الحرب العالمية الثانية ، كما زُودت إسرائيل بصواريخ وتقنيات عسكرية حديثة استطاعت من خلالها تدمير بطاريتين من بطاريات الدفاع الجوي المصرية ، في حين امتنع الاتحاد السوفياتي عن تزويد حليفه المصري بإمكانات مماثلة ، رغم امتلاكه لهذه القدرات ، الأمر الذي كشف أن حسابات القوى الكبرى لا تُبنى على الشعارات ، وإنما على المصالح وموازين القوة .
واليوم تبدو الصورة مختلفة في الشكل ، لكنها متشابهة في الجوهر ، فكلما اتسعت جبهات المواجهة وطالت الحروب ، ازداد إدراك الإسرائيليين أن القوى الكبرى لا تحارب نيابة عن حلفائها ، وأن الدعم ، مهما بلغ حجمه ، يبقى محكومًا بحسابات الكلفة والعائد ، ولهذا، فإن الشعور السائد داخل إسرائيل لم يعد شعور الدولة الواثقة من مظلتها الدولية ، بل شعور دولة بدأت تخشى لحظة الفطام عن الحليف الذي وفر لها ، طوال عقود ، المال والسلاح والغطاء السياسي ، ومن هنا، لم يعد الحديث داخل إسرائيل عن بناء “دولة أسبرطة” مجرد توصيف عسكري ، بل تحول إلى خيار استراتيجي يعكس إدراكًا متزايدًا بأن القوى الكبرى لا تخوض الحروب نيابة عن حلفائها ، وإنما تدير تحالفاتها وفق منطق المصالح والكلفة والعائد ، ويعني ذلك إعادة هيكلة الدولة والاقتصاد والصناعة العسكرية على قاعدة الاعتماد على الذات ، استعدادًا ليوم قد تجد فيه إسرائيل نفسها تقاتل منفردة ، لقد قامت القوة الإسرائيلية ، طوال عقود ، على ثلاثة أعمدة رئيسية : التفوق العسكري ، والدعم المالي الغربي ، والحماية السياسية الأمريكية ، غير أن واشنطن ، حتى في ذروة هذا التحالف ، لم تنظر إلى إسرائيل بوصفها غاية في ذاتها ، بل باعتبارها أداة لتحقيق مصالحها الاستراتيجية في الشرق الأوسط ، وفي مقدمتها احتواء النفوذ السوفيتي سابقًا ، ثم حماية نفوذها في مواجهة القوى الدولية الصاعدة ، إلا أن الحروب الأخيرة ، وما رافقها من استنزاف عسكري واقتصادي وسياسي ، دفعت دوائر صنع القرار الأمريكية إلى إعادة تقييم كلفة هذا التحالف ، رغم استمرار تدفق الدعم العسكري والمالي ، واليوم ، بات الجميع يتقدم خطوةً بعد أخرى ، حاملًا خنجرًا ، ويقف خلف ظهر جيش الاحتلال ، مترقبًا لحظة توجيه الطعنة الأخيرة إلى ظهره .
وفي الوقت نفسه ، نجحت الحركة الصهيونية ، عبر الكنائس الإنجيلية الأمريكية ، في ترسيخ صورة إسرائيل داخل الوعي الأمريكي باعتبارها “داود” الذي يواجه “جالوت”، وهي سردية عززت مكانة إسرائيل سياسيًا ودينيًا ، وربطت الدفاع عنها في أوساط واسعة بمفاهيم تتجاوز الحسابات السياسية التقليدية ، وبالفعل ، بعد هزيمة عام 1967، ترسّخت في أوساط واسعة من الكنائس الإنجيلية في الغرب قراءة رمزية للصراع ، تستحضر قصة داود وجالوت ، حيث يُقدَّم الطرف الأضعف ظاهريًا بوصفه قادرًا على هزيمة قوة تفوقه حجمًا وتسليحًا ، وفي المقابل، عملت إسرائيل على تثبيت هذه السردية وتوظيفها في خطابها السياسي والإعلامي ، عبر تقديم نفسها كدولة صغيرة محاصرة في بيئة معادية ، تخوض حروبها منفردة وتحقق فيها انتصارات تُصوَّر على أنها استثنائية أو شبه خارقة ، مع استثمار واضح للبعد الديني في تعزيز هذا التصور ، وبهذا ، تشكّلت في جزء من الوعي الأمريكي والغربي صورة الجندي الإسرائيلي بوصفه مقاتلًا محدود الإمكانات لكنه قادر على هزيمة خصوم يفوقونه قوة وعددًا ، إلا أن هذه الصورة السردية كثيرًا ما تصطدم بحسابات الواقع العسكري داخل المؤسسات الاستراتيجية ، وفي مقدمتها البنتاغون ، ومهما بلغت قوتها ، لا تكفي وحدها لصناعة القرار الأمريكي ، الذي يبقى في نهاية المطاف محكومًا بحسابات المصالح أكثر من أي اعتبارات أخرى ، فالأمريكيون ، منذ ولادة إسرائيل ، كانوا يسيرون مع العرب على حبلٍ مشدود ؛ إذ كانت واشنطن ، كما هي اليوم ، تحسب انعكاسات مضيق هرمز ، وكذلك تداعيات الاصطدام مع العرب ، لأنها كانت تعني مواجهة أزمة في النفط ، مع مراقبة شبحا الاتحاد السوفياتي والصين وغيرهما في المعسكر المقابل ، غير أن هذه المخاوف تبددت بعد هزيمة عام 1967، فتغيرت نظرة الولايات المتحدة إلى إسرائيل ، وبدأت تعتبرها القاعدة المتقدمة والأكبر لها في الشرق الأوسط ، لكن مع الحروب الأخيرة ، وفشل إسرائيل في حسم المعارك على الجبهات المختلفة ، أعادت واشنطن حساباتها ، وباتت تقيّم حالة الاستنزاف على مختلف المستويات ، فالهدف الأول والأخير للولايات المتحدة من دعم الإسرائيليين كان وقف التمدد السوفياتي في المنطقة العربية .

وهكذا ، يعود التاريخ ليؤكد ، مرة أخرى ، أن الأمم التىّ تبني استراتيجياتها على قراءة موازين القوة تبقى أكثر قدرة على البقاء من تلك التىّ تراهن على ثبات التحالفات ، فالقوى الكبرى لا توزع الضمانات ، بل تدير مصالحها ، وحين تتبدل هذه المصالح تتبدل معها التحالفات ، ولعل هذا هو الدرس الذي بدأ يتسلل إلى العقل الإسرائيلي اليوم ، وهو ايضاً يستحضر نموذج أسبرطة ، ليس بوصفه خيارًا عسكريًا فحسب ، بل تعبيرًا عن خوف عميق من زمن قد تجد فيه إسرائيل نفسها ، للمرة الأولى منذ قيامها ، مطالبة بالاعتماد على ذاتها في عالم لم يعد يعترف إلا بموازين القوة…والسلام 🙋‍♂️  

Weniger anzeigen

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *