بين دانيال وأوديب:الإنسان بين قوة الإيمان وهشاشة النفس …

مروان صباح:
شباك - رسم كرتون للفنان مرهف يوسف، حول موضوع التزويج المبكر. تم إنجازه من قبل شباك سوري بالتعاون مع مؤسسة مَوج ضمن مشروع بعدنا صغار +18 #شباك_سوري #بيطل_عَ_الكل #بعدنا_صغار #تزويج_القاصرات مَوج Mauj | Facebook      في المتاحف والمعارض الفنية الكبرى ، ولا سيما في هولندا التىّ تحتضن بعضًا من أهم الأعمال التشكيلية في العالم ، يقف الزوار لساعات طويلة أمام اللوحات الخالدة ، لا لمجرد الإعجاب بألوانها وتقنياتها ، بل لأن الفن العظيم يفتح بابًا للتأمل في النفس البشرية وما تختزنه من تناقضات وأسئلة ، فاللوحة الناجحة لا تروي حدثًا فحسب ، بل تكشف جانبًا من طبيعة الإنسان في مواجهة الخوف والأمل ، القوة والضعف ، اليقين والاضطراب ، ومن بين هذه الأعمال تبرز لوحة «دانيال في عرين الأسود» ، بوصفها درسًا بصريًا في معنى الثبات ، فعند النظرة الأولى يبدو المشهد مرعبًا ؛ أسود مفترسة تحيط برجل أعزل داخل مكان مغلق ، وكل العناصر توحي بأن النهاية المحتومة باتت وشيكة ، إلا أن الرسام لم يجعل محور اللوحة الأسود ، بل جعل الإنسان نفسه محور الحكاية ، فدانيال يقف هادئًا على نحو يثير الدهشة ، وكأن الخطر الذي يراه الجميع لم يعد يشغل تفكيره ، تكمن قوة اللوحة في هذا التناقض الظاهر ؛ فبينما تبدو الأسود في ذروة قوتها ، يظهر دانيال في ذروة سكينته ، وكأن الرسام أراد أن يقول إن الخوف لا يُقاس بحجم التهديد الخارجي ، بل بقدرة الإنسان على السيطرة على عالمه الداخلي ، لذلك لم تعد اللوحة مجرد تصوير لواقعة دينية أو تاريخية ، بل تحولت إلى رمز خالد للإيمان والشجاعة والثبات أمام المحن .
وفي الحياة الإنسانية عمومًا ، لا تكون المواجهة دائمًا مع أسود حقيقية ، بل مع مخاوف ورغبات وصراعات كامنة في النفس ، وهنا ينتقل الإنسان من عرين الخطر الخارجي إلى عرين أكثر تعقيدًا ، هو النفس البشرية نفسها ، وإذا كان دانيال يمثل نموذج الإنسان الذي انتصر على الخوف ، فإن التاريخ والأسطورة يقدمان نموذجًا آخر يتمثل في أوديب ، الذي تحول إلى رمز للصراع النفسي الذي قد يقود صاحبه إلى المأساة ، ارتبط اسم أوديب بإحدى أشهر الأساطير الإغريقية ، والتىّ استند إليها عالم النفس النمساوي سيغموند فرويد في بناء نظريته المعروفة بـ«عقدة أوديب» ، وتروي الأسطورة أن نبوءة انتشرت في مدينة طيبة مفادها أن طفل الملك سيقتل والده ويتزوج أمه عندما يكبر ، وبدافع الخوف من تحقق النبوءة ، جرى التخلي عن الطفل ، لكنه نجا من الموت ونشأ بعيدًا عن أسرته الحقيقية ، غير أن سلسلة من الأحداث قادته ، دون علم منه ، إلى تحقيق النبوءة ذاتها ، لتنتهي القصة بكشف الحقيقة وحدوث الكارثة التىّ عصفت بالأسرة والمدينة معًا ، لم يكن اهتمام فرويد بالأسطورة من باب التاريخ أو الأدب ، بل من باب تفسير بعض الدوافع النفسية الكامنة في مرحلة الطفولة ، فقد رأى أن السنوات الأولى من عمر الإنسان تشهد تشكلًا معقدًا للعلاقات العاطفية والانفعالية داخل الأسرة ، وأن هذه التجارب قد تترك آثارًا بعيدة المدى في بناء الشخصية ، ورغم أن كثيرًا من أفكار فرويد تعرضت لاحقًا للنقد والمراجعة العلمية ، فإنها ساهمت في فتح باب واسع لفهم العلاقة بين الطفولة والسلوك الإنساني في مراحل الحياة المختلفة.
ومن هذا المنطلق ، تناول بعض الباحثين مسألة انجذاب بعض الرجال إلى الارتباط بنساء أكبر منهم سنًا، وربطوا ذلك أحيانًا بتجارب عاطفية مبكرة أو بحاجات نفسية غير مشبعة ، إلا أن اختزال هذه الظاهرة في تفسير واحد يعد تبسيطًا مخلًا ؛ فالعلاقات الإنسانية أكثر تعقيدًا من أن تُفسر بعامل منفرد ، فالاختيار العاطفي يتأثر بعوامل اجتماعية وثقافية واقتصادية ونفسية متداخلة ، تختلف من شخص إلى آخر ومن مجتمع إلى آخر ، ومع ذلك ، يبقى العامل النفسي حاضرًا في تشكيل السلوك البشري ، فالإنسان لا يتحرك دائمًا وفق ما يعلنه من دوافع عقلانية ، بل كثيرًا ما تؤثر فيه تجارب الطفولة والذكريات والانفعالات التىّ تستقر في أعماقه دون وعي كامل منه ، ولهذا أصبحت دراسة النفس البشرية واحدة من أكثر المجالات أهمية في العصر الحديث ، ليس لفهم الأمراض النفسية فحسب ، بل لفهم الإنسان ذاته.
لقد أنفقت المجتمعات الحديثة مليارات الدولارات على الأبحاث الطبية والنفسية وعلى وسائل العلاج المختلفة ، لأن الإنسان اكتشف أن المعركة الحقيقية ليست دائمًا مع العالم الخارجي ، بل مع الصور التىّ يحملها عن نفسه ، ومع المخاوف والعقد التىّ تتراكم في داخله عبر الزمن ، فالاكتئاب والقلق واضطرابات الهوية والصورة الذاتية ليست مجرد حالات فردية معزولة ، بل أصبحت جزءًا من التحديات الكبرى التىّ تواجه المجتمعات المعاصرة ، وهنا يبرز الفرق الجوهري بين رمزية دانيال ورمزية أوديب ، فالأول واجه تهديدًا خارجيًا هائلًا لكنه حافظ على توازنه الداخلي ، أما الثاني فكان ضحية صراع داخلي انتهى إلى تدمير عالمه الخارجي ، وبين النموذجين تتجسد إحدى أهم حقائق الوجود الإنساني : أن مصير الإنسان لا تحدده الظروف وحدها ، بل تحدده أيضًا الطريقة التىّ يتعامل بها مع تلك الظروف.
ليست كل الأسود التىّ تهدد الإنسان تقف خارج الأسوار ، وليست كل المآسي وليدة قوة الخصوم ؛ فهناك معارك أشد قسوة تدور في أعماق النفس ، بين العقل والغريزة ، وبين الوعي والرغبة ، وبين الثبات والاستسلام للاضطراب ، وحين ينتصر الإنسان في هذه المواجهة الداخلية ، يصبح أكثر قدرة على مواجهة تحديات الحياة مهما بدت المخاطر من حوله كبيرة ومفترسة .
ومن واقع تجربة شخصية ومتابعة لعدد من العلاقات الزوجية ، أرى أن مسألة الفارق العمري بين الزوجين تستحق التأمل ، فالتقارب الشديد في العمر سيؤدي ، في كثير من الحالات ، إلى زيادة التنافس أو تضارب التوقعات والأدوار ، مما قد يؤثر في استقرار العلاقة الزوجية ، لذلك أميل إلى الاعتقاد بأن وجود فارق عمري ، قد يصل إلى نحو عشر سنوات على الأقل أفضل ، يمكن أن يسهم في تحقيق قدر أكبر من التوازن والتكامل بين الطرفين .

ومع ذلك ، تبقى هذه الرؤية اجتهادًا شخصيًا لا قاعدة عامة ؛ فنجاح الزواج لا يُقاس بفارق العمر وحده حتى لو كانت المرأة ترغب برجل مسؤول ، وهذا لا يتحقق سوى بفارق عمري ، إلا انه ايضاً يعتمد أساسًا على النضج الفكري والعاطفي ، والاحترام المتبادل ، والقدرة على الحوار ، والتوافق في القيم والأهداف ، فهذه العوامل هي الركائز الحقيقية لبناء أسرة مستقرة وقادرة على مواجهة تحديات الحياة…والسلام 🙋‍♂

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *