مروان صباح :
ثمة مناطق في النفس الإنسانية لا تُفتح أبوابها بسهولة ، ولا تُكتشف بمجرد التأمل العابر أو المعرفة السطحية ، إنها مناطق عميقة تستقر في طبقات الوعي واللاوعي ، حيث تختلط الذكريات بالرغبات ، وتتجاور الصدمات مع الأحلام ، ويصبح الإنسان أحيانًا غريبًا عن نفسه أكثر مما هو غريب عن الآخرين ، ولعل أكثر ما يثير الدهشة أن المرء قد يقضي عمرًا كاملًا في مواجهة العالم ، بينما يعجز عن مواجهة تلك المساحات الخفية الكامنة في داخله ، وفي العادة ، ينشغل الناس بمظاهر السلوك الإنساني ؛ بالشعبوية والعنصرية ونزعات التفوق وتقديس الذات والرغبة في السيطرة ، غير أن هذه الظواهر ليست سوى نتائج ظاهرة لأسباب أعمق ، فخلف كل صورة متضخمة للذات يقيم خوف دفين ، وخلف كل نزعة عدوانية تختبئ هزيمة لم يُعترف بها ، وخلف كثير من أشكال التعصب يقف إنسان عاجز عن التصالح مع جراحه الخاصة .
من هنا يصبح الكبت أكثر تعقيدًا من اختزاله في البعد الجنسي وحده ، فالكبت قد يكون كبتًا للخوف ، أو للفشل ، أو للذنب ، أو للهزائم الشخصية والجماعية التىّ يرفض الإنسان الاعتراف بها ، وما لا يُعاش بوعي يتحول غالبًا إلى قوة خفية تستمر في التأثير على السلوك والقرارات والمواقف دون أن يدرك صاحبها مصدرها الحقيقي ، ولهذا تحتل الذاكرة مكانة مركزية في التجربة الإنسانية ، فهي ليست مجرد مستودع للأحداث ، بل ميدان صراع دائم بين ما نرغب في الاحتفاظ به وما نحاول دفنه ، وبين الكبت والنسيان تنشأ علاقة معقدة ؛ فالإنسان لا ينسى دائمًا لأنه تجاوز ، بل قد ينسى لأنه عجز عن المواجهة ، غير أن ما يُدفن في الأعماق لا يختفي بالضرورة ، بل يواصل حضوره بأشكال مختلفة ، وقد يعود في لحظة غير متوقعة ليطالب بحقه في الظهور .
ومع ذلك ، فإن المفارقة الكبرى تكمن في أن الخلاص لا يتحقق بمحاربة المشاعر أو مطاردة الذكريات ، بل بفهمها ، فكلما قاوم الإنسان ألمه ازداد التصاقًا به ، وكلما أنكره ازداد حضوره في أعماقه ، أما حين يسمح له بالظهور ، وينظر إليه بوصفه جزءًا من تجربته لا عدوًا يجب سحقه ، فإن الألم يبدأ تدريجيًا بفقدان سلطته ، فالوعي لا يلغي الجراح ، لكنه يمنعها من إدارة الحياة من خلف الستار ، وهنا تتجلى إحدى الحقائق العميقة في التجربة الإنسانية : ليست المشكلة فيما نتذكره ، بل فيما نرفض تذكره ، فالذكريات التىّ تجد طريقها إلى الوعي تصبح قابلة للفهم والتحليل وإعادة التفسير ، أما تلك التىّ تبقى حبيسة الظلام فتتحول إلى مصادر دائمة للاضطراب والقلق ، ومن هذه الزاوية يمكن النظر إلى التاريخ الشخصي كما يُنظر إلى التاريخ السياسي للأمم ؛ فما لا يُعترف به لا يختفي ، بل يبقى مؤجلًا حتى يحين موعد عودته ، ولهذا فإن النضج الحقيقي لا يكمن في امتلاك ذاكرة خالية من الألم ، بل في امتلاك القدرة على النظر إلى الماضي دون الخضوع له ، فالإنسان لا يشفى لأنه نسي كل شيء ، وإنما لأنه تعلم كيف يحمل ذاكرته دون أن تتحول إلى عبء دائم على حاضره ، وما ينطبق على الأفراد ينطبق كذلك على المجتمعات ؛ إذ إن الأمم التىّ تعجز عن مواجهة أخطائها تبقى أسيرة لها ، بينما تفتح المصارحة باب التحرر وإعادة البناء .
إن أعظم ما يملكه الإنسان ليس القدرة على التذكر ، بل القدرة على السماح للأشياء بأن ترحل في وقتها ، فالحياة ، في جوهرها ، ليست صراعًا مستمرًا مع الألم ، بل تعلمًا متدرجًا لفن العبور ، وما بين الكبت والتحرر ، وبين الذاكرة والنسيان ، يظل الوعي هو الجسر الوحيد الذي يمكن للإنسان أن يعبر من خلاله نحو فهم أعمق لذاته وللعالم من حوله ، فالإنسان لا يُهزم بما مرّ به بقدر ما يُهزم بما يرفض مواجهته ، وما يُدفن في أعماق النفس لا يموت ، بل يغير شكله فقط ، منتظرًا لحظة مناسبة ليعود إلى السطح في صورة خوف أو غضب أو تعصب أو رغبة جامحة في الانتقام ، لذلك لا يكون التحرر الحقيقي فعل نسيان ، بل فعل مصالحة ؛ مصالحة مع التجارب التىّ صنعتنا ، ومع الأخطاء التىّ رافقتنا ، ومع الخسائر التىّ لم يكن بالإمكان تجنبها ، ولعل المأساة الكبرى لا تكمن في وجود الجراح ، بل في تحويلها إلى هوية دائمة ، فحين يتماهى الإنسان مع آلامه ، تصبح جزءًا من تعريفه لنفسه ، ويغدو أسيرًا لماضٍ لم يعد قائمًا إلا في ذاكرته ، أما حين يدرك أن المشاعر ، مهما بلغت شدتها ، ليست سوى حالات عابرة وليست حقائق أبدية ، فإنه يبدأ باستعادة حريته الداخلية .
ومن هنا ، لا يعود النسيان ضعفًا في الذاكرة ولا عيبًا في الإدراك ، بل يصبح إحدى أكثر آليات البقاء حكمة في التجربة الإنسانية ، إنه ليس محوًا للتاريخ ، بل تخفيفًا لعبء حمله ، وليس إنكارًا للحدث ، بل تحريرًا للحاضر من سلطة الماضي ، فالذاكرة التىّ لا تعرف كيف تترك بعض الأشياء تمضي ، تتحول إلى سجن ، بينما الوعي القادر على الفهم والتجاوز يحولها إلى خبرة ومعرفة.
