مروان صباح:
ربما لا توجد قوة أكثر حضوراً في حياة الإنسان من الشك ، فهو يرافقه منذ لحظة وعيه الأولى بالعالم ، ويلازمه في تفاصيل حياته الصغيرة كما في أسئلته الكبرى ، فالزوج قد يشك في تصرفات زوجته ، والزوجة قد تتوجس من غياب زوجها أو تغير سلوكه ، لا لأن الحقيقة قد انكشفت لهما ، بل لأن العقل البشري بطبيعته يميل إلى البحث عما وراء الظواهر ، ومن هذا الميل الفطري وُلدت أعظم الأسئلة التىّ عرفتها البشرية ، ومنها انطلقت الفلسفة والعلوم والأديان ، لهذا لم يكن الشك ، في تاريخه العميق ، مرادفاً للضياع أو الإنكار ، بل كان في كثير من الأحيان البوابة الأولى إلى المعرفة ، فالمفكرون والعلماء الذين غيروا مسار التاريخ لم يبدأوا من اليقين ، بل من الشك في المسلمات ، ولم تكن حياتهم سهلة أو مريحة ، لأن المجتمعات غالباً ما تنظر بعين الريبة إلى من يراجع الموروث أو يعيد مساءلة ما استقر في الوعي الجمعي ، ومع ذلك ، ظل هؤلاء يؤمنون بأن نهضة الأمم لا تتحقق إلا عندما يمتلك العقل شجاعة السؤال .في هذا السياق برز أبو حامد الغزالي في الشرق الإسلامي ، ثم رينيه ديكارت في أوروبا الحديثة ، بوصفهما نموذجين استثنائيين لرحلة الشك الباحثة عن اليقين ، ورغم اختلاف البيئة واللغة والعصر ، فإن القارئ لمسيرتهما يشعر وكأنهما كانا يسيران في طريق واحد ، وإن انتهى كل منهما إلى وجهة مختلفة ، بدأ الغزالي رحلته بالتشكيك في الحواس ، فقد أدرك أن العين قد ترى الكوكب صغيراً بحجم الدينار ، بينما تثبت المعرفة لاحقاً أنه يفوق الأرض حجماً بأضعاف كثيرة ، وهكذا توصّل إلى أن الحواس ليست مصدراً مطلقاً للحقيقة ، وبعد قرون ، سلك ديكارت الطريق ذاته تقريباً عندما تساءل عن صدقية المحسوسات ، وضرب مثال العصا التىّ تبدو منكسرة عند غمرها في الماء وهي مستقيمة في الواقع ، لكن ديكارت لم يتوقف عند هذا الحد ، فقد وسّع دائرة الشك إلى درجة غير مسبوقة ، متسائلاً : كيف أتيقن أنني مستيقظ الآن؟ أليس من الممكن أن أكون في حلم طويل أظنه حقيقة؟ وهكذا هدم ، نظرياً ، كل ما تراكم في العقل من معارف ومعتقدات ، باحثاً عن نقطة يقين واحدة لا يمكن الشك فيها ، وعندما وجد نفسه يشك ، أدرك أن الشك ذاته فعل تفكير ، وأن التفكير دليل على الوجود ، فكانت عبارته الشهيرة: «أنا أفكر، إذن أنا موجود».
أما الغزالي فقد سلك طريقاً مختلفاً في نهايته ، فبعد أن اختبر حدود العقل وقدراته ، خلص إلى أن العقل وحده لا يكفي للوصول إلى الحقيقة المطلقة ، وأن اليقين الأسمى يأتي من نور إلهي يهبه الله للإنسان ، ومن هنا نشأت لديه رؤية معرفية تجمع بين العقل والإشراق الروحي ، بدلاً من الاكتفاء بالعقل المجرد ، غير أن رحلة الشك لم تتوقف عند الغزالي وديكارت ، ففي القرن 19 ، حمل الأديب الروسي فيودور دوستويفسكي هذا السؤال إلى مستوى أكثر عمقاً وتعقيداً عبر شخصية إيفان كارامازوف في رواية “الإخوة كارامازوف” ، لم يكن إيفان يشك في الحواس كما فعل الغزالي ، ولا في المعرفة كما فعل ديكارت ، بل شك في العدالة ذاتها ، وفي قدرة العقل على تفسير الشر والألم في العالم ، لقد مثّل التمرد العقلي بأقصى صوره ، حين رفض التسليم بعالم يعج بالمآسي ويُطلب من الإنسان قبوله بوصفه جزءاً من نظام كوني عادل ، وهنا يظهر الفارق الجوهري بين الشك بوصفه منهجاً للبحث عن الحقيقة ، والشك بوصفه حالة تمرد على الوجود نفسه ، فالغزالي شك ليؤمنز، وديكارت شك ليعرف ، أما إيفان فقد شك لأنه لم يستطع التوفيق بين العقل والواقع ، لذلك بدا وكأنه يقف عند حافة الهاوية الفكرية التىّ قد يصل إليها الإنسان عندما يواصل الشك دون أن يجد نقطة ارتكاز أخلاقية أو روحية .
ولعل هذا ما يجعل الشك أحد أكثر الظواهر الإنسانية تعقيداً ، فهو يبدأ من سؤال بسيط في حياة الناس اليومية ، وقد يصل إلى إعادة بناء الحضارات أو هدم المنظومات الفكرية بأكملها ، إنه القوة التىّ دفعت العلماء إلى اكتشاف القوانين الطبيعية ، والفلاسفة إلى مراجعة المسلمات ، والمصلحين إلى تحدي السائد ، لكنه في الوقت ذاته قد يتحول إلى قلق وجودي عميق عندما يفقد الإنسان القدرة على العثور على يقين يطمئن إليه ، لهذا ، فإن القيمة الحقيقية للشك لا تكمن في الهدم وحده ، بل في قدرته على الوصول إلى بناء أكثر صلابة ، فالشك الذي لا يقود إلى معرفة يصبح ارتياباً ، والشك الذي لا يفضي إلى حقيقة يتحول إلى عبء على العقل ، وبين الغزالي وديكارت وإيفان كارامازوف تتجسد هذه الحقيقة بوضوح ؛ ثلاثة عقول فريدة انطلقت من السؤال ذاته ، لكن كلاً منها وجد إجابته في مكان مختلف : الغزالي وجدها في الإيمان الذي يتجاوز حدود العقل ، وديكارت وجدها في العقل الذي يؤسس لليقين ، أما إيفان فبقي عالقاً بين السؤال والجواب ، بين رفض الواقع والعجز عن تجاوزه ، فكان تمرده شاهداً على المأزق الإنساني حين يصبح الشك غاية في ذاته لا وسيلة إلى الحقيقة.
ولعل هذه الأبيات تجسد جانباً من القلق الوجودي الذي رافق الإنسان منذ القدم ؛ ذلك القلق الذي يدفعه إلى التساؤل والبحث والمراجعة ، فيتأرجح بين اليقين والحيرة ، وبين الطمأنينة والشك ، يقول عدي بن ربيعة ، ” إِنَّ في الصَدرِ مِن كُلَيبِ شُجوناً – هاجِساتٍ نَكَأنَ مِنهُ الجِراحا – أَنكَرَتني حَليلَتي إِذ رَأَتني – كاسِفَ اللَونِ لا أُطيقُ المُزاحا – وَلَقَد كُنتُ إِذ أُرَجِّلُ رَأسي – ما أُبالي الإِفسادَ وَالإِصلاحا – بِئسَ مَن عاشَ في الحَياةِ شَقِيّاً – كاسِفَ اللَونِ هائِماً مُلتاحا – يا خَليلَيَّ نادِنا لي كُلَيباً – وَاِعلَما أَنَّهُ مُلاقٍ كِفاحا – يا خَليلَيَّ نادِنا لي كُلَيباً – ثُمَّ قولا لَهُ نَعِمتَ صَباحا – يا خَليلَيَّ نادِنا لي كُلَيباً – قَبلَ أَن تُبصِرَ العُيونَ الصَباحا “.
وربما لهذا السبب لم تتقدم الأمم يوماً باليقين الجامد ، كما أنها لم تُبنَ على الشك المطلق ، فالتاريخ الإنساني ، في جوهره ، هو حركة دائمة بين السؤال والجواب ، بين الهدم والبناء ، وبين الجرأة على مراجعة الموروث والحكمة في تأسيس بدائل أكثر رسوخاً ، ومن هنا لم يكن الشك عند كبار المفكرين إعلاناً للحرب على الحقيقة ، بل كان الطريق الأصعب للوصول إليها ، فالعقول الكبرى لا تخشى الشك ، لكنها تدرك في الوقت نفسه أن قيمته الحقيقية تكمن في ما يفتحه من آفاق للمعرفة ، لا في ما يخلقه من فوضى ، وبين عقلانية ديكارت ، وروحانية الغزالي ، وتمرد إيفان كارامازوف، وشقاء كليب ، تتجلى واحدة من أعمق دروس الفكر الإنساني : أن الإنسان لا يتوقف عن البحث ، وأن الحقيقة ، مهما اختلفت طرق الوصول إليها ، تبدأ دائماً بسؤال جريء …والسلام 
See less
