مسالخ التشريع: صفقات “العفو” فوق جثث الضحايا وكرامة الأبطال….

في بلدٍ باتت فيه “الدولة” مجرد غطاء شكلي لشللٍ من المنتفعين، يطلّ قانون “العفو العام” كأبشع طعنة في خاصرة العدالة المترنحة. ليس هذا القانون مجرد إجراء لتخفيف الاكتظاظ في السجون، بل هو صكّ براءة موقّع بدم الضحايا، تمنحه منظومة سياسية يبدو أنها تحمي المجرمين أكثر مما تحمي الأبرياء الذين تحكمهم. إننا أمام مسرحية سريالية، حيث يتحول القاتل إلى “مشروع حرية” بناءً على تفاهمات إقليمية عابرة للحدود، مرتبطة بأجندات خارجية وبصفقات تبييض سجون تخدم مصالح نظام أحمد الشرع في سوريا، بينما يظل الوطن غارقاً في دماء أبنائه.

​أيّ “إنسانية” هذه التي يتشدق بها نواب الغفلة حين يشرّعون لخروج وحوشٍ بشرية من طراز فتحي جبر السلاطين؟ ذاك الذي ذبح الصبية ميريام الأشقر بدم بارد بعد سحلها ومحاولة اغتصابها وهي لا تزال تتنفس صعداء الرمق الأخير. إن ميريام تُذبح اليوم مرتين؛ مرة بسكين القاتل في 2011، ومرة بريشة النائب الذي يجرؤ على مناقشة تخفيف عقوبة الإعدام لتصبح مجرد سنوات معدودة يقضيها السفاح ثم يخرج ليمارس وحشيته مجدداً. هؤلاء النواب يدركون تماماً أن تمرير هكذا قوانين هو رسالة تشجيع لكل مجرم، واعتراف صريح بأن “الدولة” لم تعد سوى مظلة تحمي القتلة والإرهابيين وتجار السموم.

​وفي المقلب الآخر من الجرح، تقف دماء شهداء الجيش اللبناني في معركة عبرا شاهدةً على خيانة السلطة لمؤسستها العسكرية. إن أي عفو يطال من اعتدى على الجيش، فاعلاً كان أو محرضاً أو ممولاً، هو انتحار سياسي وأخلاقي للدولة. كيف يمكن لعائلات الشهداء أن تثق بدولة تساوم على دماء أبنائها في بازارات التسويات؟ إن الكرامة العسكرية ليست وجهة نظر، وهيبة الدولة تسقط نهائياً حين يُكافأ من استباحها بالحرية أو بتخفيف الأحكام.

​بالمقابل، لا يمكن القفز فوق الحقيقة الوطنية الصارخة التي يمثلها الأمين حبيب الشرتوني. إن محاولة خلط الأوراق بين الإجرام الجنائي والعمل الوطني المقاوم هي قمة التدليس. الشرتوني لم يكن يوماً مجرماً جنائياً، بل كان منفذاً لإرادة شعبية في مواجهة مشروع “أسرلة لبنان” والاحتلال الصهيوني عام 1982. إن استثناء ملفه من العفو، بينما يُمنح القتلة والإرهابيون صكوك الغفران، هو تكريس للكيدية والاستنسابية السياسية. فكيف يُعفى عمن فجر وقتل عشوائياً في الحرب الأهلية، ويُستثنى من واجه مشروع الاحتلال وأدواته؟ إن إنصاف الشرتوني هو إنصاف لخيار المقاومة والكرامة الوطنية التي تجاوزت حقبة الانقسام.

​هذا المقال هو صرخة في وجه صمت القبور الذي يمارسه البطريرك الراعي، والنواب الذين يدّعون حماية “الوجود”، والقادة العسكريين وعلى رأسهم جوزيف عون. إن صمتكم هو شراكة في الجريمة. العفو يجب أن يكون للضعفاء، للمسنين، لأصحاب الجنح البسيطة، لا أن يكون “مغسلة” لجرائم القتل والاغتصاب والإرهاب. إن لبنان الذي يحلم به الشرفاء لا يمكن أن يقوم على جثث ميريام الأشقر وشهداء الجيش، ولا يمكن أن يستقر طالما أن الموازين تظلم الأبطال الوطنيين وتحابي السفاحين. ارفعوا أيديكم عن العدالة، فالتاريخ لن يرحم من وقّع على إعدام كرامة هذا الشعب.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *