أما العهر الحقيقي، ذلك العهر المتقن الذي يُمارس بربطة عنق أو عمامة أو ميكروفون، فهو الذي يملأ الفضاء ضجيجا وهو في حقيقته خواء. هناك، حيث رجل الدين يحول الإيمان إلى سلعة، يساوم بها ضمائر البسطاء، ويبيع لهم الخلاص كأنه وكيل رسمي للجنة. وهناك الأستاذ الذي يعيد تدوير الكذبة الوطنية حتى تتخشب في عقول الطلبة كأنها حقيقة مقدسة. وهناك قاض يزن العدالة بميزان مزاجه، وإعلامي يغير مواقفه كما يغير ثيابه. مقابل فتات، ومثقف يؤجر قلمه ثم يدعي البطولة، وسياسي لا يعرف من الصدق إلا اسمه، ورجل أمن يحرس الكرسي لا القانون. هؤلاء لا يبيعون أجسادهم… بل يبيعون عقول الناس وكرامتهم، ينهبون المعنى نفسه ويتركون للناس قشوره.
العاهرة لا تتاجر بالقيم ولا تسوق الفضيلة وهي تغرق في الرذيلة، لا تدعي الطهر ولا تكتب بيانات عن الشرف، أما أولئك فقد بلغوا من الوقاحة حدّ تحويل النفاق إلى أخلاق رسمية. يضعون أحمر الشفاه على ألسنتهم، فتخرج كلماتهم لامعة، بينما حقيقتهم أكثر سوادا من أن تُخفى. هم لا يكذبون فحسب؛ هم يصنعون الكذبة ثم يجبرونك على تصديقها، ويعاقبونك إن تجرأت على رؤيتها كما هي.
والمفارقة الأشد قسوة أن المجتمع لا يحتقر العاهرة لأنها تبيع جسدها، بل لأنه يرى فيها مرآة قذرة تعكس حقيقته التي يهرب منها. هي تفعل في العلن ما يفعله هو في الظلام، تقول بصراحة ما يهمس به في الخفاء، فتفضحه دون أن تقصد، وتعري ازدواجيته أمام نفسه. لذلك يكرهها، لا لأنها أسوأ منه، بل لأنها أصدق منه.
في عالم دُفن فيه الشرف تحت ركام الشعارات، وتحولت فيه القيم إلى ديكور موسمي، وصار الكذب سياسة يومية والنفاق مهارة للترقي، يصبح الصدق جريمة، والوضوح فضيحة. عندها تبدو العاهرة بكل فجورها أقل قذارة من منظومة كاملة تتغذى على الخداع. وربما، في هذا الخراب الأخلاقي الشامل، تكون آخر من تبقى ممن يقول ما يفعل… بينما الآخرون يفعلون كل شيء إلا قول الحقيقة.