ليس من المضحك المبكي فحسب ، بل من الأمور التي تستدعي التأمل النادر في أقدار البشر وتحولاتهم ، ذلك التناقض العجيب بين اندفاع البدايات ومآسي منتصف العمر ؛ حين تختلط أحلام العنفوان بأثقال الضعف الإنساني ، فمنذ ولادة الإنسان ، وهو محاط بسيلٍ من الشعارات الاجتماعية التىّ تُقدَّم له بوصفها حقائق نهائية: المستقبل ، النجاح ، العائلة ، والاستقلال الفردي ، حتى يكاد يعتقد أن الإنسان سيد مصيره المطلق ، وأن الحياة مشروع مفتوح بلا حدود .
لكن ، حين أراقب تعاقب الأجيال ، وأستمع إلى أحاديث الشباب على اختلاف أعمارهم عن العزوف عن الزواج ، أو عن الأسباب التىّ تدفعهم إلى تأجيله أو الهروب منه ، أجد نفسي أمام سؤالين جوهريين : ماذا يقول الذين خاضوا تجربة الزواج ويشكون اليوم من أعباء المسؤولية؟ وماذا يقول الذين انتهت علاقاتهم بالطلاق ، وتحولت حياتهم إلى صراع مرير حول الحقوق والاتهامات وتحديد المسؤول عن فشل العلاقة؟
في خضم هذه الأسئلة ، يتسلل إلى الذهن يقين شخصي مفاده أن الحياة ، على اتساع مجالاتها وتشعب مساراتها ، ليست في جوهرها سوى عائلة صغيرة ؛ بيتٌ تنقسم داخله الشخصيات والأدوار والانفعالات ، هناك الإنسان الفكاهي الذي يواجه قسوة الواقع بالدعابة ، ويوزع خفة روحه على منزلٍ مثقل بالمشكلات ، مدركًا — ولو بالفطرة — أن العفوية والسخرية أحيانًا وسيلتان لتخفيف وطأة الفقر والقلق ، يراقب أبناءه بصمت ، يستمع إلى تفاصيل أيامهم دون إفراط في التوتر أو الاستسلام للصرامة القاسية ، وكأنه يحاول حماية ما تبقى من توازن داخلي في عالمٍ مضطرب .
ومع ذلك ، يبقى منتصف العمر المرحلة الأكثر قسوة ، سواء على المتزوج أو غير المتزوج ، ففي بدايات الثلاثينيات ، ينبعث نداء داخلي خافت لكنه عميق ، يقول للإنسان : لقد تأخرت في البحث عن معنى أعمق للحياة ، عندها يستيقظ الفرد على فراغٍ وجودي مربك ، يشعره بأن سنوات طويلة مضت في الركض خلف الخارج ، بينما الداخل ظل مهملًا وفقيرًا إلى الطمأنينة .
هذا الفراغ قد يبدو في ظاهره أزمة عابرة أو مراهقة متأخرة ، لكنه في حقيقته تحوّل نفسي عميق ، فالإنسان يبدأ بالشعور بانفصالٍ بين حياته خارج البيت وحياته داخله ، بين صخب المجتمع ووحدة الذات ، وما يحفظ التوازن النفسي للإنسان ، في كثير من الأحيان ، هو قدرته على الفصل بين ضجيج النهار وهدوء المساء ؛ بين معارك الخارج ودفء العائلة ، فإذا اختل هذا التوازن ، وتعثرت العلاقة بين “صباحات الحياة” و”مساءاتها”، أصيب المسار النفسي بخلل عميق ينعكس على الروح والسلوك معًا .
ومن هنا تتضح أهمية تكوين العائلة في مرحلة مبكرة نسبيًا من العمر ؛ فمع التقدم في السن ، تميل طاقة الإنسان تدريجيًا نحو الداخل أكثر من الخارج ، وتبدأ الطبيعة النفسية والجسدية بالمطالبة بما تم تأجيله طويلًا لصالح الطموح الاجتماعي أو المهني ، كأن الجسد نفسه يعلن أن الاستمرار في الحياة يحتاج إلى شراكة إنسانية ، وإلى دائرة حميمة تُولد منها الطاقة النفسية المتجددة .
إنه انقلاب نفسي لا يمكن الهروب منه ؛ انقلاب يفسر جانبًا من الاضطرابات النفسية والعصبية التي تتزايد بعد الثلاثينيات ، فالإنسان يجد نفسه فجأة تحت اجتياحٍ من العواطف والأسئلة والهويات الجديدة التىّ لم يكن معتادًا عليها من قبل ، وكل الطاقة التىّ كانت موجهة لإثبات الذات في المجتمع ، تبدأ بالتحول تدريجيًا نحو الرغبة في بناء عائلة صغيرة تمنحه التوازن والسكينة .
لهذا ، قد ينقلب الإنسان على قرارات كثيرة اتخذها في شبابه ؛ فعلى سبيل المثال، كان قد تخلى عن دراسة الطب من أجل الفن ، أو تماماً كما أيضاً يبتعد عن علاقات وأفكار كانت تبدو له يومًا مصيرية ، غير أن نداء العائلة يبقى النداء الأعمق والأكثر إلحاحًا ، لأنه ببساطة يمثل محاولة الإنسان للانتقال من سطحية الحياة إلى جوهرها الإنساني والاجتماعي .
