الخجل في زمن الانهيار …

·· كاريكاتير (( الخجل الاجتماعي )) .. (( الخجل الاجتماعي ...دايةً ، لا أعرف إن كان يحقّ لأمّةٍ ما تزال عالقةً بين مشاهد الإبادة في غزة ، وخراب الجنوب اللبناني ، وخرائط النزوح والقتل والتشظّي ، أن تتبادل عبارات التهنئة والأعياد وكأن شيئًا لم يكن ، ولا أعرف إن كان يليق بشعوبٍ باتت تُصنَّف عالميًا باعتبارها كياناتٍ هشة ، تحتاج إلى من يحرس حدودها ويؤمّن لها أبسط مقومات الحياة ، أن تتظاهر بالسكينة فيما يتآكل وجودها من الداخل والخارج معًا ، ومع ذلك ، لا يجد الإنسان مفرًّا من ممارسة هذا النوع من التواطؤ العاطفي مع الحياة ؛ فيقول للآخرين : “كلّ عام وأنتم بخير”، لا اقتناعًا كاملًا بالخير ، بل دفاعًا غريزيًا عن ما تبقّى من توازنٍ نفسيّ يقيه الانهيار ، فالإنسان ، منذ بدايات الحضارة ، اخترع الطقوس الصغيرة كي ينجو من الفوضى الكبرى ، وربما كانت المجاملات الاجتماعية ، رغم هشاشتها وخداعها أحيانًا ، جزءًا من هذا النظام الرمزي الذي يمنح الروح شيئًا من الطمأنينة المؤقتة ، لكنّ الخطر الحقيقي لا يكمن في الأقنعة التىّ نرتديها ، بل في اللحظة التىّ يفقد فيها الإنسان خجله بالكامل ؛ لأن الخجل ، في جوهره ، ليس ضعفًا كما يُروَّج له، بل أحد أعمدة التكوين الأخلاقي للإنسان .
فالخجل هو ذلك الصوت الداخلي الذي يمنع المرء من التحوّل إلى كائنٍ بلا ضمير ، وإذا تجاوز الخجل حدوده الطبيعية تحوّل إلى عبءٍ نفسيّ يعزل الإنسان عن الحياة ، أمّا إذا اختفى تمامًا ، فإن الإنسان ينحدر تدريجيًا نحو ما يشبه “حياة الغاب”، حيث لا تحكم العلاقات سوى القوة والمصلحة والقدرة على الافتراس ، ولهذا لم يكن احمرار الوجه مجرّد استجابة بيولوجية عابرة ، بل علامة إنسانية عميقة على إدراك الخطأ والشعور بالمسؤولية تجاه الآخرين ، وربما لهذا السبب أيضًا لا يستطيع الإنسان أن يتخيّل حيوانًا يخجل ؛ لأن الخجل امتياز أخلاقي لا تملكه سوى الكائنات القادرة على مراجعة ذاتها ، ولعلّ ما يجعل المجتمعات الحديثة أكثر قسوة هو أنها دفعت الإنسان تدريجيًا إلى التخلّي عن هذا الامتياز ، فالعالم اليوم يكافئ الوقاحة أكثر مما يكافئ الحياء ، ويمنح الصوت الأعلى مساحةً أوسع من الصوت الأصدق ، وهنا يصبح الخجل ، عند بعض الناس ، عبئًا نفسيًا لا فضيلةً أخلاقية ، خصوصًا حين يتضخّم ويتحوّل إلى خوفٍ دائم من المجتمع ومن نظرة الآخرين .
وفي علم النفس ، لا يُنظر إلى الخجل باعتباره حالةً واحدة ، بل درجاتٍ متفاوتة تبدأ من الحذر الطبيعي وتنتهي بالعجز الكامل عن التفاعل الاجتماعي ، فكثيرٌ من الناس ، على سبيل المثال ، يعجزون عن الحديث أمام الآخرين أو مواجهة المؤسسات الرسمية أو حتى المطالبة بحقوقهم البسيطة ، ليس لأنهم ضعفاء بالضرورة ، بل لأنهم تعرّضوا منذ الطفولة إلى أشكالٍ مختلفة من القمع والإلغاء ، فالطفل الذي يُربّى على الخوف والطاعة العمياء يفقد تدريجيًا ثقته بصوته الداخلي ، ويكبر وهو يشعر أن العالم مكانٌ معادٍ لا يسمح له بالخطأ أو التعبير الحرّ ، وهنا تكمن المأساة ؛ إذ يتحوّل الخوف مع الوقت إلى جزءٍ من الهوية الشخصية ، لا إلى مجرّد حالة عابرة ، فيصبح الإنسان سجينًا غير مشاهد ، يحمل قضبانه في داخله أينما ذهب ، وربما لهذا يبدو الإنسان القَلِق وكأنه يعتذر باستمرار عن وجوده ، حتى حين لا يكون مذنبًا ، لكنّ الوجه الأكثر خطورة للخجل يظهر حين يتحوّل إلى تضخّمٍ مرضيّ للذات ؛ أي حين يعتقد الإنسان أنّ الجميع يراقبونه ويحاكمونه باستمرار ، عندها يفقد قدرته على العيش الطبيعي ، ويتحوّل العالم في نظره إلى مسرحٍ كبيرٍ للرفض والإدانة ، ومن هنا تنشأ الحاجة إلى التوازن : أن يحتفظ الإنسان بحيائه الفطريّ دون أن يتحوّل إلى أسيرٍ لرغبة الآخرين أو سجينٍ لأحكامهم .
فالإنسان السويّ لا يحتاج إلى التفاخر بقدراته كي يؤمن بنفسه ، كما لا يحتاج إلى تحطيم الآخرين كي يشعر بالقوة ، إنه ببساطة يدرك أن النقص جزء من الطبيعة البشرية ، وأن الكرامة الحقيقية تبدأ حين يتصالح المرء مع هشاشته دون أن يسمح لها بابتلاعه ، ولعلّ هذا المعنى تحديدًا ما اقترب منه غابرييل غارسيا ماركيز في عالمه الروائي ، خصوصًا في رواية مئة عام من العزلة، حين جعل شخصياته تعيش داخل عزلاتٍ طويلة ، لا تفقد فيها القدرة على الكلام فحسب ، بل تفقد أحيانًا قدرتها على الشعور بالخجل نفسه ، كانت مدينة “ماكوندو” تبدو وكأنها صورة مكبّرة عن المجتمعات التىّ تعتاد المأساة إلى الحدّ الذي تصبح فيه الكارثة جزءًا من الحياة اليومية ، ومع تكرار الخراب ، يتبلّد الإحساس الأخلاقي تدريجيًا ، ويصبح الإنسان قادرًا على رؤية الموت والفساد والخيانة دون أن يهتزّ داخله شيء ، وهذا أخطر ما يمكن أن تصل إليه الأمم : أن تعتاد الانهيار حتى تفقد خجلها من السقوط .
لهذا ، فإنّ الفقر ليس عارًا ، والهزيمة ليست عارًا ، وحتى الضعف الإنساني ليس عارًا ؛ العار الحقيقي أن يفقد الإنسان حساسيته الأخلاقية ، وأن يصبح قادرًا على ممارسة القبح دون ارتباك ، فكيف يرفع الفاسد رأسه عاليًا ، بينما يخجل المظلوم من المطالبة بحقه؟ وكيف أصبح الضحية أكثر خوفًا من الجلاد ؟، لهذا ، يحتاج الإنسان ـ مهما ابتعد وتاه ـ أن يعود يومًا إلى جذوره الأولى ؛ إلى تلك اللحظة النقيّة التىّ كانت فيها أمّه ترى قيمته قبل أن يراه العالم ، يعود إليها ولو كانت في قبرها ، لأن الأم وحدها غالبًا ما تؤمن بالإنسان قبل أن يتعلّم هو الإيمان بنفسه ، كانت تمنحه المعنى قبل أن يعرف معنى الحياة ، وتصنع كرامته بصمتٍ يشبه صلاة الفجر ، قبل أن يصحو العالم بكلّ ضجيجه وقسوته .
وفي زمنٍ تتآكل فيه المعايير ، ربما يصبح التمسّك بالخجل النبيل شكلًا من أشكال المقاومة الأخيرة ؛ مقاومة السقوط الكامل في عالمٍ لم يعد يخجل من شيء … والسلام 🙋‍♂️

✍️ 

Weniger anzeigen

Post navigation

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *