خلف كل رقم في التحقيقات الصحفية، وخلف كل اسم يرد في التقارير الدولية، تكمن مأساة إنسانية تهز أركان الضمير. ما كشفه تحقيق “نيويورك تايمز” الأخير عن عمليات اختطاف واغتصاب استهدفت نساء وفتيات في سوريا —من الطائفة العلوية وغيرها— ليس مجرد “أخبار” عابرة، بل هو جرس إنذار يشير إلى تفحم العقد الاجتماعي وانهيار منظومة القيم والحماية.إن اختطاف طفلة في السادسة عشرة من عمرها، واحتجازها في أقبية رطبة لتتعرض للتخدير والاغتصاب الممنهج، أو تشويه امرأة شابة وحلق رأسها وجرح جسدها بآلات حادة، هي أفعال لا تمت للإنسانية بصلة. هؤلاء الخاطفون ليسوا “معارضين” ولا “مؤيدين” ولا “مجاهدين”؛ إنهم وحوش بشرية تقتات على ضعف الدولة وغياب القانون.
إن إدانة هذه الأفعال يجب أن تكون مطلقة، دون “لكن” أو “بسبب”. فالجريمة التي تُرتكب بحق جسد المرأة هي طعنة في قلب المجتمع بأكمله.
من المريب والمفجع أن نجد من يمارس “الإنكار” أمام شهادات الضحايا، أو من يحاول “تكذيب النص” بدوافع سياسية أو كيدية. إن تكذيب امرأة نالت منها سياط الخاطفين وحملت جرحاً في روحها قبل جسدها هو اغتصاب ثانٍ للضحية.
أما هؤلاء الذين يشعرون بـ “الفرح” أو “التشفي” لأن الضحية تنتمي لمكون اجتماعي أو ديني معين، فهم يبرهنون على إفلاس أخلاقي مرعب. الشماتة في انتهاك الأعراض هي قمة السقوط، وهي وقود لاستمرار الدورة العبثية للعنف التي لن تستثني أحداً في النهاية.
يعتقد البعض واهماً أن استهداف المرأة العلوية أو الإسماعيلية أو المسيحية هو شأن يخص تلك المكونات وحدها، لكن الحقيقة السوسيولوجية تقول غير ذلك:
• توطين الإجرام: عندما يتعلم المجرم أن بإمكانه اختطاف امرأة واغتصابها وابتزاز أهلها بالمال ثم الإفلات من العقاب، فإنه لن يتوقف عند حدود طائفة معينة. الإجرام لا دين له ولا طائفة، والوحش الذي يغذي نفسه اليوم بدم “الآخر”، سيفترس غداً من أطلقه أو سكت عنه.
• تفكك النسيج الوطني: غياب الحماية عن أي فئة هو إعلان رسمي بأن الغابة هي الحكم. إن “ويلات” هذا الانفلات ستطال كل بيت سوري، من درعا إلى اللاذقية، ومن الحسكة إلى دمشق.
• الأثر النفسي والاجتماعي: عندما تخاف الفتيات من الذهاب إلى الجامعات، وعندما تفقد شابة شغفها بالحياة والرياضة وتعتزل غرفتها خوفاً من الناس (كما ورد في التحقيق)، فإننا نخسر مستقبلاً كاملاً، ونورث جيلاً مشوهاً بالخوف والحقد.
إن محاولة جهات أمنية الضغط على العائلات لإخفاء الحقائق وادعاء أن الضحايا كنّ “في زيارة لصديقة”، هي محاولة بائسة لستر عورة الفشل في تأمين الحماية.
