في كشف قناع “محور المقاومة”..

Zacharie As

24-04-26

العراقي
ليس كلُّ ما يُرفع شعارا يكون عقيدة، ولا كلُّ ما يُستدعى في الخطب يكون حاضرا في القرار. فثمة مسافة خفية، لكنها حاسمة، بين اللغة التي تُخاطَب بها الجماهير، واللغة التي تُدار بها الدول. في تلك المسافة تحديدًا، يتكوّن ما يُسمّى بوهم المحاور.. فكان خير مثال “محور المقاومة” من طهران إلى بيروت.
.
ما سُمّي بـ”محور المقاومة” لم يكن يوما في جوهره محورا بالمعنى الصارم للكلمة، بل كان تركيبا هجينيا من مصالح ضيّقة متجاورة، تتقاطع حينا وتتباعد حينا آخر، يجمعها خطابٌ تعبوي أكثر مما يجمعها التزامٌ وجوديٌّ بالفعل كما الأحلاف والتكتلات. فالقضية التي رُفعت إلى مقام العقيدة، لم تُعامل يوما باعتبارها قدرا لا يُفلت، بل وُظِّفت بوصفها موردا سياسيا قابلاً للتكييف، يُستثمر حين يخدم، ويُؤجَّل حين يُكلف.
.
وحين جاءت اللحظة التي يُفترض فيها أن تختبر الشعارات صدقها لما بعد أكتوبر 2023 ، انكشفت البنية العميقة المرّة؛ إذ لم يكن هناك محورٌ يُحارب، بل أطرافٌ تُوازن تحركها دول هذا المحور وأدواتها؛ لم تكن هناك عقيدة تُلزم، بل حساباتٌ تُقيد. فالدولة والوكيل الطفيلي كـ”سورية الأسد” و “حزب الله” مثلا، مهما تلثّمت بالأيديولوجيا، تعود في لحظة الخطر إلى غريزتها الأولى؛ البقاء، لا الوفاء لا للقضية فلسطين التي أقيم لأجلها هذا المحور ولا لغيرها.
.
وهنا يتبدّى المعنى الأشد قسوة؛ أن أكثر القضايا عدالةً قد تُختزل، في هندسة القوة، إلى مجرد أداة ضمن ترسانة النفوذ. لا لأنها تفتقر إلى حقيقتها الأخلاقية فقط، بل لأن من ادّعى حملها لم يحملها إلا بقدر ما تحتمل مصالحه، لا بقدر ما تقتضيه عدالتها المجردة.
.
إن هذا الوهم لم يكن في وجود خطابٍ “للمقاومة”، بل في الاعتقاد بأنه كان يوما التزاما حقيقيا وكاملا وغير مشروط. وما انكشف في النهاية ليس سقوط محور، بل انكشاف طبيعة واحدة؛ وهي أن السياسة، حين تتكلم بلسان العقيدة، لا تفعل ذلك إلا لتُخفي لغتها الحقيقية في حياكة المصالح وتنويم الشعوب في معادلة الجماهير أما القضية العادلة.
.
وأخيرا نقول:
فليهنأ الوهمُ بجماهيره، ما دام لكلِّ سقوط عرّابٌ يُعيدُه حيّا..
.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *