سوريا كـ«دولة على حافة الدولة»:

  mof hab:

كاريكاتير صحيفة سعودية.. فوضى "السوشيال ميديا" تهيمن على المجتمع - اليوم السابع      إن ما نواجهه في الحالة السورية لا يتطابق مع نماذج «الدولة الفاشلة» أو حتى «الدولة الموازية»، بل يقترب من ما يمكن تسميته بـ«الدولة المؤجّلة»؛ كيان لا يُبنى وفق تخطيط سيادي مؤسساتي، بل يتكئ على ذريعة الوقت لتمديد حالة الطوارئ الرمزية، حيث تُمأسس السلطوية باسم الضرورة. هنا، يصبح التعليق المستمر لمفردات الدولة (الدستور، القانون، الانتخابات، الحقوق المدنية) ليس فشلاً في الإنجاز، بل استراتيجية مقصودة لضمان انسيابية السيطرة، وإبقاء المجتمع في حالة «انتظار مُنظّم».
وفي هذا الإطار، تتجلى الميتودولوجيا السلفية الجهادية في الحكم لا بوصفها نموذجاً صدامياً مباشراً، بل كمنظومة إدارة تقوم على تحويل النصوص العقدية إلى دليل إجرائي للحوكمة. فـ«فقه التمكين» لا يُطرَح كمآل نظري، بل يُمارَس كمصفوفة تنظيمية للسلطة، بحيث يُعاد تشكيل الحقل السياسي وفق ثلاثية «الشرعية/التعبئة/التحكم»، ويَتحوّل السلوك العام إلى فضاء مُراقَب ضمنياً، يخضع لبراديغم السمع والطاعة، ولو بصيغة مخففة من الانضباط الرمزي.
في النظريات السياسية الكلاسيكية، يُفترَض أن «المرحلة الانتقالية» هي فسحة استثنائية خارج الزمن الدستوري، تهدف إلى نقل السلطة من وضع مختلّ إلى نظام شرعي جديد. هي زمن مؤقّت وإن طال، يستمد مشروعيته من كونه وسيلة نحو غاية، لا غاية بحد ذاته. لكن، ماذا يحدث عندما تتحول هذه الوسيلة إلى غاية؟ عندما يُعاد إنتاج المرحلة الانتقالية نفسها كـ«نظام»، لا كمحطة عابرة.
هذا ما يطرحه بعمق مفهوم «الدولة المؤجَّلة»، الذي يتقاطع مع ما وصفه الفيلسوف الإيطالي جورجيو أغامبن بـ«الحالة الاستثنائية المُعمَّمة»، حيث يتحوّل الاستثناء إلى بنية دائمة تُعيد تعريف القانون، والسلطة، والشرعية من خارج منظومتها الأصلية.
في سوريا، ومنذ سقوط نظام الأسد، لم تُبنَ مرحلة انتقالية بالمفهوم المؤسسي، بل أُديرت «الانتقالية» كقيمة بحد ذاتها، كمظلة تُجيز الاستمرار في الحكم دون تقديم تصور نهائي للدولة المنشودة. هكذا، أصبح التأجيل هو الفعل السيادي الأساسي، والتردد هو الاستراتيجية الكبرى. دستورٌ مُؤجَّل إلى سنين لاحقة وإعلانُ دستوري على المقاس، بدون قانون شامل للعدالة الانتقالية، ولا ميثاق اجتماعي جامع، بل سلسلة من «التفاهمات الضرورية» التي تُدَار عبر التأويل لا عبر الإلزام.
إنها دولة تُمارس السلطة لكنها لا تُفصح عن شكلها المستقبلي، تُنظّم المجتمع لكنها تؤجّل تعريفه، وتقرر في الحاضر لكنها ترفض أن تُسأَل عن الغد.
تُعيد هذه الحالة إلى الأذهان مفهوم «السيادة المؤجلة»، كما طرحه بعض منظّري ما بعد الاستعمار، حيث لا تكون الدولة مالكة للقرار بل مستأجرة له من قوى خارجية، أو عقائد كبرى، أو شبكات مصالح داخلية، فالسلطة الانتقالية الحالية برغم استقلالها الشكلي، لا تدير ذاتها كفاعل حرّ، بل بوصفها طرفاً في شبكة من التوازنات الدينية–العسكرية–التمويلية، تجعل من كل قرار سياسي فعلي خاضعاً للفيتو الرمزي.

تَزداد المعضلة حين يُصبح عدم الحسم هو الضمانة الوحيدة لعدم الانفجار، بمعنى أن التأجيل لا يُستخدَم هنا كتكتيك مرحلي، بل يُستبطَن بوصفه ركيزة للاستقرار الزائف. لا انتخابات، لأن الظرف غير مناسب. لا تمثيل وطني، لأن المرحلة تتطلب «كفاءة لا محاصصة»، وهكذا تُعاد صياغة المفردات الكبرى للحكم، من أدوات للتحوّل إلى آليات للتأجيل.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *