اعادة الاعتبار للبربرية …

editor: 

      يتناول المشهد السوري الراهن تعقيدات سيكولوجية وسياسية بالغة الخطورة، حيث يرى مراقبون أن الصراع الطويل لم يدمر الحجر والشجر فحسب، بل أحدث تصدعات عميقة في الوعي الجمعي والمنظومة الأخلاقية، مما أدى إلى حالة من “الاستقطاب المذهبي الحاد” الذي يغيب العقل والمنطق.

سيكولوجية الحقد والبديل المشوه: كيف تحول “الجولاني” إلى “رئيس”؟

تمر المجتمعات في لحظات الانكسار التاريخي بحالة من “التيه الأخلاقي”، حيث تُطمس الحدود بين الإرهاب والتحرر، وبين القاتل والمنقذ. ما نشهده اليوم في بعض الأوساط السورية من إطلاق ألقاب مثل “السيد الرئيس” على أحمد الشرع (الجولاني)، ليس مجرد تغيير في الولاء السياسي، بل هو تجسيد لخلل بنيوي في الوعي الجمعي ناتج عن سنوات من الحرب والتحريض المذهبي.

1. طغيان المذهب على المبدأ

إن التشوه السياسي الحاصل ينبع من تقديم “الهوية الطائفية” على “المشروع الوطني”. فالحقد المتراكم تجاه شخص الرئيس بشار الأسد، والذي يتم تغذيته ببعد طائفي (علوي ضد سني)، جعل قطاعاً من الناس يسقط في فخ “عشق الجلاد البديل”. بالنسبة لهؤلاء، لم يعد المعيار هو (الديمقراطية أو حقوق الإنسان أو مدنية الدولة)، بل أصبح المعيار هو “الغلبة المذهبية”. هذا الاندفاع العاطفي جعلهم يغضون الطرف عن تاريخ الجولاني الدموي وانتمائه لتنظيم القاعدة، فقط لأنه يمثل “السني” الذي استطاع كسر هيبة الخصم.

2. انحطاط أخلاقي أم “براغماتية عمياء”؟

تسمية إرهابي بـ “السيد الرئيس” تعكس انحطاطاً في القيم السياسية؛ فالمصطلح الذي يُفترض أن يحمل دلالات مؤسساتية وقانونية، يتم منحه لشخص يقود فصيلاً مسلحاً صُنف عالمياً كمنظمة إرهابية. هذا “التجميل” المتعمد لصورة الجولاني هو محاولة لشرعنة الإرهاب تحت مسميات “الثورة” و”القيادة”، وهو ما يعكس حالة من الانفصام عن الواقع، حيث يُستبدل الاستبداد السياسي باستبداد ديني متطرف، ويُحتفى به كأنه نصر.

3. سيكولوجية “الضحية التي تبحث عن منتقم”

حلل علماء النفس تاريخياً كيف يمكن للشعوب المقهورة أن تتبع “مخلصاً” حتى لو كان دموياً، طالما أنه يعدهم بالانتقام. السوريون الذين يلقبون الجولاني بالرئيس يعانون من “تشوه سيكولوجي” ناتج عن الرغبة في الثأر؛ فالحقد على النظام جعلهم يقبلون بأي بديل، حتى لو كان هذا البديل هو النسخة الأكثر تشدداً وظلامية. لقد أصبح “العداء للأسد” هو المحرك الوحيد، مما أعمى البصيرة عن حقيقة أن الجولاني ليس سوى وجه آخر لعملة العنف والإقصاء.

4. شرعنة الإرهاب عبر القبول الشعبي

الخطورة تكمن في أن هذا القبول الشعبي المفتعل (أو الناتج عن خوف ومصالح) يمنح الذريعة للقوى الدولية (مثل ألمانيا أو غيرها) للتعامل مع هؤلاء الإرهابيين كـ “قادة سياسيين”. إن هذا التماهي بين الجمهور والإرهابي يقطع الطريق على أي أمل في بناء دولة قانون حقيقية، ويحول المجتمع إلى وقود لصراعات أمراء الحرب.

خلاصة التحليل

إن لقب “السيد الرئيس” الذي يُمنح للجولاني هو شهادة وفاة للقيم الثورية المدنية، وإعلان عن انتصار المنطق الطائفي على المنطق الوطني. إنها مأساة سيكولوجية تجعل الضحية تعشق سجانها الجديد، فقط لأنه يرفع شعاراً مذهبياً يداعب أحقادها التاريخية، مما يكرس حالة من الانحطاط التي ستعاني منها الأجيال القادمة في ترميم مفهوم “الدولة” و”المواطنة”.

ولكن ما هو دور الإعلام !؟

صناعة “الطاغية الوسيم”: كيف غسل الإعلام دماء الجولاني؟

لم يكن ليتقبل أي عقل سليم لقب “السيد الرئيس” لشخص كأحمد الشرع لولا وجود آلة إعلامية ضخمة عملت على “هندسة القبول” لدى الجمهور السوري والعالمي. إن ما جرى هو عملية تزييف وعي منظمة استغلت جراح السوريين وحقدهم على النظام القائم لتقديم “سمّ” الإرهاب في دسم “القيادة”.

1. “البدلة” بدلاً من “البندقية”: الخديعة البصرية

لعب الإعلام الغربي (عبر لقاءات شهيرة مثل لقاء “مارتن سميث”) دوراً محورياً في تصدير الصورة الجديدة. انتقل الجولاني من الخيام والكهوف واللثام إلى المكاتب الفاخرة والملابس العصرية. هذا “التجميل البصري” كان يهدف لإقناع المشاهد بأن الفكر قد تغير بتغير المظهر، وهي مغالطة منطقية استجاب لها العقل السوري المشحون طائفياً، معتبراً أن هذا “التمدن” هو تذكرة عبور للاعتراف الدولي.

2. إعلام “العدو المشترك”

اعتمد الإعلام الداخلي الموالي للهيئة على قاعدة سيكولوجية تقول: “عدو عدوي هو بالضرورة رئيسي”. تم التركيز بشكل مكثف على جرائم النظام السوري (بشار الأسد) لدرجة جعلت المتلقي يشعر أن أي بديل – مهما كان مظلماً – هو “خلاص”. هنا سقطت المعايير الأخلاقية؛ فصار الإعلام يبرر قمع الجولاني للمتظاهرين في إدلب، وسجونه السرية، وتصفيته لرفاقه السابقين، على أنها “ضرورات بناء الدولة”.

3. منصات التواصل وسيكولوجية “القطيع”

ساهمت الجيوش الإلكترونية في خلق حالة من “الإجماع المزيف”. فبمجرد أن يبدأ الذباب الإلكتروني بوصفه “سيادة الرئيس”، يبدأ المواطن البسيط، المنهك من الحرب والمشحون بالحقد المذهبي، بترديد العبارة كنوع من “المجاكرة” السياسية للنظام. هذا الاستخدام للإعلام حوّل “الرئيس” من صفة دستورية إلى “نكاية طائفية”.

4. التواطؤ الدولي (ألمانيا نموذجاً)

الإعلام الألماني والأوروبي، بتوجيه سياسي، بدأ يروج لفكرة “الإسلاموي المعتدل” أو “الضرورة الأمنية”. هذا الترويج الإعلامي هو الذي مهد لاستقباله؛ فبدلاً من الحديث عن “إرهابي مطلوب”، أصبح الحديث عن “فاعل سياسي على الأرض”. هذا الانحطاط الإعلامي يشرعن الإرهاب ويجعله نموذجاً قابلاً للتكرار: اقتل، دمر، هجّر، ثم ارتدِ بدلة وستصبح “رئيساً” في نظر الإعلام.

النتيجة

الإعلام لم ينقل الواقع في الحالة السورية، بل أعاد اختراعه. لقد حوّل “الحقد الطائفي” من شعور دفين إلى “شرعية سياسية”، وجعل من شخصية إرهابية “أيقونة” لجمهور فقد بوصلته الأخلاقية تحت وطأة الاستبداد والحروب، ليجد نفسه في النهاية يقدس “نسخة سنيّة” من الجلاد الذي ثار ضده.

منقول   عن  سيريانو فيسبوك

Anonymous

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *