جمال حمور
تمر منطقة الخليج العربي بمرحلة حرجة وغير مسبوقة بعد الاغتيالات المباشرة التي استهدفت القيادة الإيرانية داخل إيران، وعلى رأسها المرشد الأعلى علي خامنئي، إلى جانب أكثر من 48 شخصية من الصفين الأول والثاني في الدولة. هذه الضربات الأميركية والإسرائيلية، التي هدفت إلى تقويض القدرة القيادية للنظام الإيراني وإضعاف مركزه السياسي والعسكري، لم توقف النشاط الإيراني بل دفعته إلى تصعيد واسع وممنهج ضد دول الخليج. فالصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية لم تعد محدودة الأهداف، بل وصلت إلى أراضي دول الخليج نفسها، واستهدفت الوسيط العُماني، ووصلت إلى تركيا وأذربيجان، في إشارة واضحة إلى أن إيران تسعى لتعويض الخسائر الرمزية والسياسية التي لحقت بها، ورفع كلفة أي تدخل خارجي محتمل على أراضيها.
في هذا السياق، يظهر أن سياسة النأي بالنفس أو الاقتصار على الاحتفاظ بحق الرد لم تعد مجدية. إذ إن الاكتفاء بالمراقبة أو التهديد بوقف الأعمال العدائية لا يكفي لردع إيران، التي تعتبر الاستنزاف المستمر والخسائر الرمزية جزءًا من استراتيجيتها للحفاظ على الردع الإقليمي. إن الانتظار وعدم المبادرة يتركان دول الخليج عرضة لهجمات مستمرة، ويضعفان مكانتها الاستراتيجية في المعادلة الإقليمية، كما يتركان المجال لإيران لتحديد وتيرة وحجم التوتر بما يخدم أهدافها.
من الناحية العسكرية، إيران أثبتت أنها قادرة على ضرب أهداف استراتيجية وبقوة، وأنها لا تزال تمتلك منظومات متقدمة للصواريخ والطائرات المسيّرة، إضافة إلى القدرة على استهداف خطوط الطاقة والملاحة البحرية الحيوية. هذا يجعل أي سياسة انتظار أو رد محدود غير فعالة، لأنها لا تغير من معادلة القوة، بل تمنح الطرف الآخر مزيدًا من الوقت لاستعادة قدراته ورفع كلفة الحرب بشكل أكبر. الاستراتيجية الإيرانية لا تقتصر على الضربات المباشرة، بل تشمل الضغط النفسي والسياسي من خلال استهداف الوسطاء والمناطق الحساسة، ما يضع دول الخليج أمام اختبار حقيقي لجدية قدرتها على الدفاع عن نفسها.
لذا، فإن المرحلة الحالية تتطلب استجابة قوية ومنسقة من دول الخليج، تستند إلى قدراتها الدفاعية والهجومية معًا. هذه الاستجابة لا تعني الانجرار إلى حرب مفتوحة بالضرورة، لكنها تفرض بناء معادلة ردع واضحة تقوم على استخدام الأدوات العسكرية المتاحة، بما يشمل الصواريخ الدقيقة والطائرات المسيّرة، وتعزيز منظومات الدفاع الجوي، وحماية البنى التحتية الحيوية للطاقة والموانئ والمطارات. كما تقتضي فرض قواعد اشتباك واضحة تمنع أي تجاوز للحدود أو استهداف مباشر لأراضي دول الخليج دون رد متناسب وحاسم.
إن الانتظار وعدم المبادرة يتركان دول الخليج عرضة لهجمات مستمرة، ويضعفان مكانتها الاستراتيجية في المعادلة الإقليمية، كما يتركان المجال لإيران لتحديد وتيرة وحجم التوتر بما يخدم أهدافها.
