الركودالحضاري ، الماضوية والوعي الذاتي ….

عثمان  لي ,  روبا منصور 

رسم كاريكاتوري: الوضع العربي | رسم كاريكاتوري | الجزيرة نت       على  الماضي, الذي يريد    أن يكون مفيدًا،   أن يمثل عملية تفاعل وتحرر متبادلة مع الحاضر, الماضي  الذي يرغب في  الاستمرار  جزئيًا, عليه  التخلص  من أسلوب “المنافسة” مع الحاضر,الحاضر لا يتصالح مع المنافسين  له  من  الذين  فقدوا الصلاحية ويريدون  الحلول محله ,  من رحم  المنافسة تولد   الضدية  ثم  الرفض والعداء   والعنف, الذي يهيمن على تفاعل الناس  مع   بعضهم  البعض ,العديد  من  فئات  شعوب هذا الجزء الأوسط من الشرق    أضداد وأعداء.

  التحرر المتبادل بين الماضي والحاضر, يعني تحرير الماضي من معايير الحاضر  بالاعتراف  بالسياق التاريخي  لبعض  التطورات ,تحرير الحاضر من الماضي بمنحه سياقا تاريخيا خاصا  به  , هذا يعني استقلال كل من الماضي والحاضر, أما المصالحة مع الماضي فتعني إنهاء حالة الصراع معه من خلال الحكم عليه، وإصدار الحكم  او  التقييم  المناسب , وبذلك يُوضع الماضي في مصنف التفهم  النقدي .

   ابتعاد   الحاضر  عن الجوانب السلبية للماضي  يعني الكف  عن تكرارها, ثم   تقديم  تعويضات  مادية ومعنوية عن التأثيرات السلبية  لهذا الماضي ,  هذا باختصار  ما فعلته ألمانيا,  عندما  نددت بالجوانب السلبية من  ماضيها,  وتعهدت  بالامتناع  عن ممارستها في الحاضر, ووعدت بعدم ممارستها في المستقبل. ثم عوضت عن الأضرار التي ألحقها الماضي  بالآخرين, معنويًا من خلال الاعتذارالأهم  من التعويض المادي, لقد حررت ألمانيا نفسها من أعباء “الذنوب”والأخطاء  وكرست نفسها لبناء حاضرا ومستقبلا يليقان بشعب أخطأ -وجل  من  لايخطئ,بالنتيجة تخلصت المانيا  من أعباء الخطيئة والجريمة, التي ارتبطت  بالقيصرية والهتلرية.

  أما الشعوب المستعربة,التي ابتُليت بثقافةخير   أمة  وثقافة الحق   البدوي – أي شرعنة  السرقة والنهب  في   الحرب  وغياب ثقافة الاعتذار, أو على الأقل ضمورها, فلم تستطيع  تحرير الحاضر من أعباء الماضي,لقد “فتحت ”   إسبانياوحكمتها  البدوية   قرابة سبعة قرون,  ولا يزال هناك من يدافع عن هذا الاحتلال، معتبرًا إياه نعمة  للإسبان وعليه  أن   يستمر,  أي  يجب استرداد  اسبانيا , لكنه لم يستمر ولا   يمكن   له   أن  يستمر , لأنه كان استعمارًا دينيًا فتوحيا بغيضًا بسرقاته ونهبه واغتصابه للنساء, ماذا ستقول عشرات الآلاف من الفتيات اللواتي أسرهن موسى بن نصير وحوّلهن إلى جاريات  في قصور وبيوت دعارة الخليفة عبد الملك في دمشق ,  وكيف  كان   موقفهم  من   سبيهم ؟ هل تستطيع امرأة مؤمنةوهبت  نفسها لابن عبد الله  لاستنكاحها  أن تجيب على هذا   السؤال؟لاتستطيع ! لأن عشرات الآلاف من الفتيات العذارى الإسبانيات لم يهبون  أنفسهن طواعية للخليفة للاستنكاحهن !   

   يزعم البعض  أن البدو   نقلوا حضارتهم  إلى شبه الجزيرة الأيبيرية, وكأن البدوية كانت حضارية  يمكن للشعوب الأخرى الاستفادة منها, لم تكن هناك حضارة في شبه الجزيرة العربية,بل انحطاطا لا مثيل له,   فالصحراء لا تُنتج حضارة, والبدو الرحل, الذين ينتقلون من مكان إلى آخر، لم يكونوا ولن يكونوا متحضرين, كانت شبه الجزيرة العربية متوحشة, وكان المتوحش الذي يحمل السيف متفوق   حربيا على  مخترع  الحرف ,كما كان الحال مع شعوب بلاد الشام, وفراعنة مصر, والبربر, وشعوب الهند وغيرهم من الشعوب, التي ضربها جراد   بدو  شبه الجزيرة العربية, لم تكن البدوية على  قدر  أو  مستوى   الرومان أو السوريين أوالهيلينيين  أو الرواقيين أو البيزنطيين أو الصينيين أو غيرهم من الشعوب  الأوروبية , التي اعتمدت    القانون الروماني ,من يذكر ذلك   على  مسمع    المستعربين    يجد نفسه  بقدرة   قادر مخنوقا ومقذوفا  بوابل من الاتهامات والإهانات باعتباره كارهًا للعروبةوحاقدا   على   الدين ! 

   دمرت القبائل الجرمانية المتوحشة روما وأنهت وجود الإمبراطورية الرومانية,   إذا   سؤل أحد أحفاد هذه القبائل عما فعلته تلك  القبائل  بروما,  سيخبرك أن ما فعلوه كان عملاً  وحشيا  دنيئا,  لم يمنع هذا العمل الأوروبيين من الاعتراف بتخلف ووحشية  القبائل الجرمانية,  ولم يمنعهم أيضاً من تبني العديد من سمات الحضارة الرومانية, كالقانون الروماني, الذي قامت عليه الحضارة الأوروبية الحديثة, لم يبن  الأوروبيون حضارتهم الحالية على تخلف القبائل الجرمانية,  على العكس تماماًمن  الدول   التي قامت  في  هذه   المنطقة    بعد الحرب العالمية الأولى , التي اعتمدت   النمط   او   النموذج   البدوي  , وبالتالي   اخفقت وبادت, على عكس   أوروبا التي ازدهرت وتقدمت.  

  تأسست الحضارة العالمية الحالية على الحضارة الهيلينية, التي امتدت من القرن الرابع قبل الميلاد إلى القرن الخامس الميلادي,كانت حضارة عظيمة سياسيًا وثقافيًا وفنيًا وفلسفيًا, تميزت بالانفتاح والعلوم كالهندسة والأدب (الإلياذة والأوديسة),ثم الفكرة الأولمبية والفلسفة مثل  فلسفة  سقراط وأرسطو وأفلاطون ومئات غيرهم , كانت الهيلينية تجسيدًا للحرية التي يحتاجها كل إنسان,  هل يحتاج الإنسان إلى  البدوية   وغزاواتها ؟, لكي تتقدم شعوب الشرق الأوسط  عليها أن   تزيل العقبات   التي   تعرقل   تقدمها   , أهم  تلك   العقبات كانت  البدوية  وعقليتها .

صمدت بيزنطة قرابة ألف عام بعد سقوط روما الغربية على يد القبائل الجرمانية,وجاءت نهاية القسطنطينيةالبيزنطية  على يد السلطان محمد الثاني، أو كمالقب  بالفاتح مديحاأو  كتبرير  ديني  لنشر  المحمدية , حقق محمد الثاني ما كان يصبو إليه ابن عبد الله, ومن بعده الخلافة الأموية والعباسية, ونجحت الوحشية   العثمانية في القضاء على الحضارة البيزنطية عام ١٤٥٣,لوسألنا  المستعربين    في الشرق الأوسط عن عملية  السلطان محمد الثاني,لأيد   معظمهم    فتح القسطنطينية وتدمير الحضارة البيزنطية   واعتبروا  ذلك  أمرًا إيجابيًا , أكمله أردوغان باحتلاله كنيسة  آيا صوفيا وتحويلها إلى مسجد, لم تتألم الشعوب المُعَرَّبة من الإبادة الجماعية للبيزنطيين على يد محمد الفاتح,  ولم تدان عملية  سطو اردوغان  على   كنيسة آيا صوفيا  ,  على  العكس  من  ذلك  ايدت الشعوب   المعربةولا  تزال   تُؤيد حملة “طوفان الأقصى” الحماسية, ما هو حلال  بشأن آيا صوفيا,كان   حرام   محرم  بشأن المسجد الأقصى! وهكذا نجد أسوأ أشكال التعامل غير الأخلاقي مع التاريخ, كيف يُمكن لهؤلاء الناس أن يقفوا في هذا العصر مع الفاتح محمد الثاني ومع أردوغان! في وقتٍ يُعانون به من “فتوحات” أو احتلال بلدانهم من قِبَل الآخرين, يبدو هؤلاء الناس تائهين ومنافقين وغيرمتصالحين حتى مع أنفسهم.

 قد يجد البعض مصطلح “المصالحة الذاتية” مثيراً للدهشة, فهل من الممكن أن يكون  الانسان مع نفسه الداخلية  اي  ذاته  في حالة حرب؟  مما يتطلب المصالحة!,نعم! كل إنسان بحاجة إلى المصالحة مع ذاته, سبب  الصراع الداخلي هو التناقض بين الإنسان وضميره, مثلا عندما يرغب “الذات” في شيء ما بينما يعارضه الجسد, تعاني شعوب المنطقة من الاستعمار واحتلال أراضيها,لذا ترفض الاستعمار بحق!  ,ولكن في   ذات  الوقت يمجدون الفتوحات والجزية   والعهدة العمرية  واحتلال آيا صوفيا ,  ويدينون في الوقت نفسه اي تهديد  للمسجد  الأقصى, يمجدون أصولية جماعة الاخونج , ولكن عندما يجوعون  لايتوحهون  إلى أفغانستان بل إلى بلاد   الألمان ,لايمكن لهذه الازدواجية، أو الفصام الا  أن  يترافق مع  صراع داخلي  أي  صراع مع الذات, لا أمل في شفاء  من يفقد   الوعي  الذاتي  ويجهل هذا الصراع أو المرض, من الوعي بالذات ينبع الوعي بالآخرين, باختصار,عامل الآخرين كما تحب أن تُعامل  منهم , فأنت   هم  , وهم  أنت  ! 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *