العلاقة بين العدالة والوحدة: إطار وطني أم شرط سياسي مُعطِّل؟

   جمال حمور :

في جوهرها، تقوم العدالة الانتقالية على الاعتراف بأنّ العنف الذي مورس لم يكن انحرافاً عارضاً، بل نتاج بنى سياسية وأمنية وقانونية سمحت به أو شجّعته. لذلك، فهي لا تكتفي بمساءلة أفراد، بل تسعى إلى تفكيك الشروط التي جعلت الانتهاكات مُمكنة ومُتكرّرة. كشف الحقيقة، المحاسبة، جبر الضرر، إصلاح المؤسسات، وضمان عدم التكرار، ليست عناصر مُنفصلة، بل حلقات في مسار واحد، يهدف إلى نقل المجتمع من منطق القوّة والغلبة إلى منطق الحقوق والمواطنة.

غير أنّ العدالة الانتقالية لا تعمل في فراغ. فهي تفترض وجود حدّ أدنى من الإرادة السياسية، واعترافاً رسمياً بأنّ ما جرى كان ظلماً يستوجب المعالجة، لا مجرّد صفحة مؤلمة يُراد طيّها. كما تفترض استعداداً اجتماعياً لمواجهة الماضي، لا للهروب منه. في كثير من التجارب، كان الفشل في العدالة الانتقالية ناتجاً ليس عن نقص القوانين أو الخبرات، بل عن استخدام خطاب الاستقرار والمصالحة لتفريغ العدالة من مضمونها، وتحويلها إلى أداة لإدارة الصمت بدل كسرِه.

ليست العدالة الانتقالية إدارة للماضي فقط، بل محاولة لإعادة تأسيس الحاضر على أسس مختلفة

من هنا، تبرز العدالة الانتقالية كسؤال عن نوع السلام المُراد بناؤه. السلام الذي يقوم على النسيان القسري، أو على تسويات فوقية تتجاهل الضحايا، غالباً ما يكون سلاماً مؤجّلاً، يحمل في داخله بذور عنف جديد. أما السلام الذي يمرّ عبر الاعتراف والمساءلة، حتى وإن كان مساراً طويلاً ومؤلماً، فيمتلك فرصة حقيقية للاستمرار. العدالة الانتقالية لا تعد بمجتمع خالٍ من الصراع، لكنها تَعِد بإخراجه من دائرة العنف المُنظّم الذي ترعاه الدولة.

عند الانتقال إلى الحالة السورية، تزداد تعقيدات هذا المفهوم إلى حدّها الأقصى. فالعنف الذي عرفته سورية لم يكن فقط واسع النطاق، بل كان بنيوياً، وممتدّاً على عقود، ثم انفجر على نحو شامل خلال سنوات الصراع. الدولة السورية، في صيغتها السابقة، لم تكن مجرّد دولة فشلت في حماية مواطنيها، بل دولة لعبت دوراً مركزياً في إنتاج العنف وتنظيمه. هذا ما يجعل العدالة الانتقالية في سورية ليس مجرّد استحقاق لاحق للصراع، بل شرطاً لإعادة تعريف الدولة نفسها.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *