د. نبيلة عفيف غص
ليست الآثار حجارة صامتة. إنها الذاكرة المتجسدة، والهوية المتحجرة في الزمن، والشهادة التي ترفض أن تموت. في سورية الطبيعية، حيث تعاقبت الحضارات منذ الألف التاسع قبل الميلاد، لا تمثل المواقع الأثرية مجرد بقايا عمرانية، بل هي سجلّ الوجود الإنساني المتواصل، من إبلا وأوغاريت وماري إلى تدمر ودورا أوروبوس والحضر ونمرود. لذلك لم يكن استهداف تنظيم «داعش» لهذه الآثار حدثاً عرضياً، ولا انفجاراً أعمى في سياق حرب أهلية، بل كان فعلاً أيديولوجياً–سياسياً محسوباً، يندرج في إطار حرب أشمل على الوعي والهوية والتاريخ.
السؤال إذن ليس: لماذا دمّر «داعش» الآثار؟
بل: لماذا شكّلت آثار سورية الطبيعية خطراً وجودياً على مشروعه؟
ولماذا تلاقت عملية التدمير هذه مع مصالح قوى دولية وإقليمية استفادت من تفكيك الذاكرة وإعادة تشكيل الجغرافيا السياسية للمنطقة؟
هذه الدراسة تحاول تفكيك الظاهرة في مستوياتها العقائدية والسياسية والاقتصادية والدعائية والجيوسياسية، مستندة إلى تقارير موثّقة ودراسات أكاديمية، من أجل فهم الحرب على الحجر بوصفها حرباً على الإنسان نفسه.
أولاً: العقيدة الهدمية وإعادة اختراع «الصفحة البيضاء»
تبنّى تنظيم «داعش» قراءة سلفية متشددة تعتبر التماثيل والآثار السابقة للإسلام «أصناماً» يجب تحطيمها استناداً إلى فهم حرفي لبعض الروايات التاريخية المرتبطة بتحطيم الأصنام في الجزيرة العربية في القرن السابع الميلادي[1]. غير أن هذا التأويل يتجاهل حقيقة تاريخية كبرى: الحضارة الإسلامية الكلاسيكية عاشت قروناً إلى جانب آثار مصر وبلاد الرافدين والشام، ولم تتبنَّ سياسة منهجية لتدميرها. بل إن مؤرخين وجغرافيين مسلمين وصفوا تلك الآثار بإعجاب واعتبروها شاهداً على عظمة الأمم السابقة[2].
التحوّل هنا ليس دينياً بقدر ما هو أيديولوجي. فالتنظيم احتاج إلى «صفحة بيضاء» يبدأ منها مشروعه السياسي، أي إلى محو كل ما يسبقه. إن وجود آثار عمرها آلاف السنين ينسف ادعاء «البداية المطلقة»، ويذكّر بأن المجتمعات أعمق وأعقد من أي مشروع عقائدي عابر.
بهذا المعنى، لم يكن تحطيم التماثيل تعبيراً عن غيرة دينية، بل عن رغبة في احتكار الزمن نفسه. فالزمن المتراكم يقاوم الأنظمة الشمولية، لأنه يقدّم سرديات بديلة، ويثبت أن الهوية نتاج تفاعل طويل بين مكوّنات متعددة.
ثانياً: محو الهوية الحضارية الجامعة
تشهد مواقع سورية الطبيعية على تعددية حضارية متجذّرة: آرامية، كنعانية، آشورية، فينيقية، هلنستية، رومانية، سريانية، عربية، إسلامية… هذا التراكم هو جوهر الهوية التاريخية للمنطقة. وهو يؤكد أن المجتمع لم يكن يوماً كتلة أحادية مغلقة.
تنظيم عابر للحدود يسعى إلى إقامة «خلافة» فوق الجغرافيا السياسية القائمة لا يمكنه التعايش مع هوية وطنية–تاريخية عميقة. فالآثار تعزّز الانتماء إلى الأرض، لا إلى «أمة متخيّلة» مجردة من السياق الجغرافي.
لذلك يصبح تدمير الآثار عملاً سياسياً بامتياز: إنه اقتلاع للذاكرة الجمعية. فالمجتمع الذي يُفصل عن تاريخه يسهل إعادة تشكيله وفق سردية جديدة. وقد أظهرت دراسات الذاكرة الجماعية أن السيطرة على الماضي شرط للسيطرة على الحاضر[3].
ثالثاً: اقتصاد التهريب – الازدواجية الأخلاقية للتنظيم
المفارقة الكبرى أن «داعش» لم يدمّر كل الآثار. فقد اعتمد سياسة انتقائية:
القطع الصغيرة القابلة للنقل → تُنهب وتُباع.
المعالم الكبرى ذات القيمة الرمزية → تُفجَّر أمام الكاميرات.
تشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن الاتجار غير المشروع بالآثار شكّل أحد مصادر تمويل التنظيم في العراق وسورية[4]. وقد وُثّقت شبكات تهريب عابرة للحدود امتدت إلى أسواق في أوروبا وأميركا الشمالية[5].
هذا التناقض يكشف أن الخطاب العقائدي كان غطاءً لاقتصاد حرب منظّم. فالآثار تحوّلت إلى سلعة في سوق سوداء عالمية، ما يعني أن مسؤولية الجريمة لا تقع على الفاعل المحلي وحده، بل تمتد إلى شبكات دولية استفادت من الفوضى.
رابعاً: العنف الاستعراضي وصناعة الصورة
في العصر الرقمي، أدرك التنظيم قوة الصورة. تفجير معبد بل في تدمر عام 2015 لم يكن مجرد تخريب، بل حدثاً إعلامياً مصمماً بعناية[6]. الكاميرات، زوايا التصوير، التوقيت… كلها عناصر في مسرحية سياسية هدفها إنتاج صدمة عالمية.
هذا «العنف الاستعراضي» يخدم أهدافاً متعددة:
أولاً، تجنيد أنصار يرون في الهدم الشامل دليلاً على القوة.
ثانياً، استفزاز المجتمع الدولي ودفعه إلى رد فعل عسكري يعزز سردية «الحرب الكونية».
ثالثاً، تثبيت صورة «الشرق المتوحش» في المخيال الغربي، بما يبرر مزيداً من التدخل والوصاية.
هنا يتحول الحجر إلى أداة في حرب رمزية عالمية، تتجاوز حدود المنطقة.
خامساً: الفوضى المُدارة وسؤال الاستخبارات
نشأ «داعش» في سياق تفكيك الدولة العراقية بعد 2003، وسياسات اجتثاث البعث، وانهيار المؤسسات الأمنية[7]. كما استفاد من تعقيدات الحرب في سورية، وتداخل الدعم الإقليمي والدولي لفصائل مسلحة متعددة.
بعض الوثائق والتقارير الاستخباراتية المسربة أشارت إلى إدراك مبكر لدى قوى دولية لاحتمال نشوء «كيان سلفي متشدد» في شرق سورية وغرب العراق نتيجة الفوضى[8]. هذا يوضح أن البيئة التي سمحت بولادته لم تكن عفوية، بل مهندسة بدقة كنتاج توازنات وصراعات دولية.
في هذا السياق، يخدم تدمير الآثار سردية مزدوجة:
داخلياً: تكريس مشروع عقائدي راديكالي.
خارجياً: تعزيز صورة الفوضى التي تبرر إعادة رسم الخرائط.
سادساً: إعادة تشكيل الجغرافيا عبر تفكيك الذاكرة
ليست الحرب على الآثار معزولة عن مشاريع إعادة الهيكلة الإقليمية. فحين تُمحى الشواهد التي تؤكد وحدة المجال الحضاري، يسهل تسويق خرائط تقسيمية قائمة على الهويات الجزئية.
الآثار في تدمر ودير الزور والجزيرة الفراتية تؤكد أن هذه المناطق لم تكن أطرافاً هامشية، بل مراكز تفاعل حضاري عميق. تدميرها يضعف الحجة التاريخية لوحدة المجال، ويفتح الباب أمام سرديات تفكيكية.
لقد شهد التاريخ أمثلة مشابهة: من حرق مكتبة سراييفو إلى تدمير تماثيل بوذا في باميان[9]. في كل مرة، كان الهدف أعمق من التخريب؛ كان إعادة تعريف الهوية بالقوة.
سابعاً: مسؤولية المجتمع الدولي والازدواجية الأخلاقية
أدانت القوى الكبرى تدمير الآثار، لكنها في الوقت نفسه لم تمنع تدفق القطع المنهوبة إلى أسواقها. هذا التناقض يعكس أزمة في منظومة حماية التراث العالمي.
اتفاقية لاهاي لعام 1954 لحماية الممتلكات الثقافية في النزاعات المسلحة تنص بوضوح على واجب الدول في منع الاتجار غير المشروع[10]. ومع ذلك، بقي التنفيذ انتقائياً وضعيفاً.
إن حماية آثار سورية الطبيعية ليست مسألة محلية فحسب، بل اختبار لجدية النظام الدولي في الدفاع عن التراث الإنساني.
خاتمة: الذاكرة تقاوم
لم يكن تفجير تدمر حدثاً عابراً في سجل حرب دامية، بل إعلان حرب على الذاكرة. أرادوا أن يقولوا إن التاريخ يمكن أن يُمحى بالديناميت، وإن هوية الشعوب يمكن أن تُفجَّر كما يُفجَّر معبد.
لكن الحقيقة أعمق من الركام. فالذاكرة لا تسكن الحجر وحده، بل في الوعي الحيّ الذي يرفض النسيان. قد يُدمَّر المعبد، لكن الفكرة التي شيّدته تبقى. قد تُسرق الرقيمات، لكن اللغة التي كتبتها لا تموت.
إن معركة آثار سورية الطبيعية ليست معركة متاحف، بل معركة وجود. إنها دفاع عن حق المجتمع في أن يعرف جذوره، وأن يستمد من تاريخه قوة للنهوض، لا سبباً للانقسام.
وإذا كان الهدم قد تم بالديناميت، فإن البناء يبدأ بالوعي.
وإذا كانت الحرب على الحجر محاولة لاقتلاع الإنسان من أرضه، فإن الرد يكون بترسيخ الانتماء، وإعادة وصل الحاضر بعمقه الحضاري.
التاريخ ليس ماضياً منتهياً، بل قوة كامنة.
ومن يملك ذاكرته، يملك مستقبله.
الهوامش
[1] ابن هشام، السيرة النبوية، تحقيق مصطفى السقا وآخرين، القاهرة، 1955.
[2] المسعودي، مروج الذهب، بيروت، دار الأندلس.
[3] Maurice Halbwachs, On Collective Memory, University of Chicago Press, 1992.
[4] United Nations Security Council, Report S/2014/815.
[5] UNESCO, Emergency Safeguarding of the Syrian Cultural Heritage, 2015.
[6] BBC News, “IS destroys Palmyra’s Temple of Bel,” 2015.
[7] Charles Tripp, A History of Iraq, Cambridge University Press, 2007.
[8] Declassified US Defense Intelligence Agency Document, 2012 (Judicial Watch release).
[9] Finbarr Barry Flood, “Between Cult and Culture,” Art Bulletin, 2002.
