الجور الطائفي والعدالة الطائفية ..
يبدو وكأن جائحة الطائفية في هذه المنطقة أقدم وأشد فتكا وأوسع انتشارا من الكورونا الفيروسية ,التي تعرفنا عليها قبل بعض السنوات, والتي توقفت تقريبا , بينما يزداد انتشار كورونا الطائفية في هذه المنطقة , التي تقدم نفسها في مجال حكم الدولة السياسية بأسماء مختلفة مثل السنة او خير امة أو الغلبة الغالبة التي من حقها أن تحكم , أي من حق الأكثرية الدينية أن تحكم في عصر الدولة المدنية , وما أكثر تلك النماذج في هذه المنطقة المسماة عربية , حتى خارج هذه المنطقة مثلا في ايران وأفغانستان وغيرهم !.
لقد بذلنا جهودا مكررة وحثيثة لافهام الكورونات الطائفية وغيرهم , بأن الأكثرية في دولة هذا العصر هي أكثرية سياسية وليست مذهبية بدون نجاح ملحوظ , وكأن الناس في هذه المنطقة صم , ولكنهم ليسسوا دائما بكم واحيانا يتكلمون ويحاولون تلطيف المصيبة نفاقا بالقول انهم ليسوا في سويسرا !!!!! اي انهم متأخرون لذلك يجب ان يبقوا كذلك , ثم يدعون ان سوريا وأفغانستان وايران وحتى العراق وغيرهم لم يعرفوا يوما سعيدا هنيئا الا عندما حكم السنة بدون برهان على تلك السعادة , ثم ان حكم الغلبة الغالبة هو حق طبيعي, أي أنه من الطبيعي طيفنة جماعاتهم سياسيا واجتماعيا, بحيث تتمكن الغلبة الغالبة من قيادة البلاد والتحكم بادارتها…طبعا الى الأبد, لأن تشكيلة الغلبة الغالبة لاتتغير على المدى القريب أو المتوسط !.
أكدنا بالبرهان أنه من الضروري ابعاد المذهبية والفكر المذهبي عن تعريف الأقلية أو الأكثرية اجتماعيا وسياسيا , ولأن هذه الشعوب ليست بوضع شعوب سويسرا, لذا يجب ابعاد ذئب التفكير المذهبي الطائفي عن النعاج العربية البدوية في السياسة , لكي تصبح شعوب المنطقة كالشعوب السويسرية , وهذا بالفعل ما قامت به الحركة الأتاتوركية عند الجار التركي العثماني , حيث تمكنت هذه الحركة من ابعاد ذئب الدينية المذهبية عن الدولة السياسية , وبالتالي تمكنت تركيا من التقدم بالاتجاه السويسري , وقبل ذلك بمئات السنين قامت اوروبا بذلك ووصلت الى الحالة السويسرية , وهذا بالضبط ما قامت به معظم بقية دول العالم المتقدم, بعكس الكيانات المذهبية التي أطلقت على نفسها اسم “دول “وهي أبعد ما تكون عن الدول ! , فالدولة لاتسبح في القيح أو المستنقع الطائفي المذهبي .
حكم الغلبة الغالبة مذهبيا مؤبد , كحال النظم الديكتاتورية في هذه المنطقة كالأسدية ,اما الشعوب السويسرية فلا تؤبد لكنها تلنزم منذ وقت طويل بللديموقراطية والعلمانية , التي لاتندمج مع المذهبية ولا وجود للديموقراطية المذهبية, لأن الديموقراطية سياسية اجتماعية بينما المذهب غيبية ايمانية شخصية, ما يسميه البعض ديموقراطية مذهبية ضدي في ذاتها ومتناقض مع نفسه وبالتالي لايمكن اعتباره ا مفهوما متجانسا , فالمذهب ليس للعمل السياسي, بينما الديموقراطية للعمل السياسي حصرا. !
لاوجود لطائفية دون طوائف , والطائفة طائفية بطبيعتها وبنيتها وتكوينها , الطائفة تعني الانغلاق على مجموعة من أفراد مذهب معين واعطاء تلك المجموعة مشروعا سياسيا , لايهدف الانغلاق والانتظام في منظومة الطائفة الطائفية للقيام بصلاة الجماعة مثلا , هدف المجموعة كالاخونج السياسي الوصول الى الهدف السياسي بوسائل دينية , لذا يمكن القول بوجود طائفة سنيىة سياسية( اخونج) الى جانب السني المتدين , ,ويمكن القول بوجود طائفية علوية الى جانب المتدين العلوي ,هناك فرقا كبيرا بين التدين والطائفية , اذ هناك تدين دون طائفية , وخناك طائفية دون تدين , عموما لافروق جذرية بين العلوية السياسية وبين السنية السياسية .
هناك من يعتبر نفسه معتدلا, أي يطبق ما تسمى ” العدالة الطائفية”لتجنب “الجور الطائفي” , قد تعني العدالة الطائفية ذلك في أحسن الأحوال محاصصة طائفية أو توافقية أوتلفيقية طائفية ,البعض يعتقد ان الطائفية بشكل هيمنة أقلية مذهبية على اكثرية مذهبية سياسيا اي الجور الطائفي هي الشر الكبير , لأن هيمنة الأكثرية المذهبية سياسيا هو حق طبيعي لها , أي أن الهيمنة السياسية مقبولة بشرط أن تكون هيمنة الاكثرية المذهبية , وكأن الرزيلة تتناقص عندما يكثر من يمارسها!.
الدولة المؤسسة على مفهوم أحادية الهيمنة المذهبية , سواء كانت أكثرية غالبة أو أقلية مغلوبة , هي دولة ”دينية” أو بالأحرى كيان ديني , لذلك فان مايسمى مشروع العدالة الطائفية لمحاربة الجور الطائفي , هو مشروع الدولة الدينية أو الكيان الديني كالخلافة , لايتمكن هذا المشروع من اقامة دولة ورعايتها وتطويرها بالمعنى العصري لتلك المفاهيم , انما يتمكن من أقامة كيان نطلق عليه تجاوزا اسم دولة , كيان يستمد شرعيته من الشريعة الدينية كالخلافة , ليس بمقدور هذا الكيان المشرعن دينيا سوى التأسيس الى انهيار مشرع الدولة الحقيقية .
ما تسمى “دولة” العدالة الطائفية أوالمحاصصة الطائفية أو الهيمنة المذهبية ,هي كيان ديني بامتياز , أي لادولة بلباس انتخابي مزيف , وصناديق اقتراع تشرعن اللاشرعي , ليست سوى تشويه للديموقراطية, ليست ما تسمى “العدالة الطائفية” أقل أو أكثر طائفية وبالتالي شرا من الهيمنة أوالجور الطائفي!.
العدالة الطائفية أشد خبثا من الجور الطائفي للعديد من الأسباب ,منها تلبيس طائفية العدالة الطائفية لباس “العدالة ” المزورة ,ثم تلبيس طائفية المحاصصة أو العدالة الطائفية بلباس ديموقراطي مزور ,التزوير يعطي مايسمى العدالة الطائفية شيئا من التقبل من قبل البعض, الذي يفضلها على طائفية الهيمنة والجور الطائفي ,تبعا لذلك يصبح التحرر من الجور الطائفي الواضح والصريح أسهل من التحرر من العدالة الطائفية المخاتلة المقنعة بقناع العدالة والديموقراطية,ثم أن التخلص من هيمنة اقلية طائفية أسهل من التخلص من هيمنة أكثرية طائفية , اضافة الى أن الأقلية الطائفية المهيمنة مرغمة على مشاركة البعض من الأكثرية المذهبية في الحكم كما كان حال الأسدية , لذلك فان طائفية العدالة الطائفية أشد ظلما من طائفية الجور الطائفي.
الطائفية هي الأصل والأساس لكل تلك الشرور, ومن الصعب لمن يقع في مطب ماتسمى “العدالة الطائفية” أن ينهض , فالعدالة الطائفية مخدرة ومخاتلة ومخربة, ولا تمثل الا تراجعا من الصعب عكسه ,من يريد التقدم في حل مشكلة سياسية عليه بالسياسةالديموقراطي العلمانية المدنية وأحزابها الساسية المتعددة …
Post Views: 158