نظام البعث لم يحارب معارضيه كأفراد أو تيارات سياسية، بل حاربهم كجماعات، مستخدمًا الذريعة نفسها: حماية الدولة، حماية الوحدة، حماية السيادة. وكانت النتيجة دولة ضعيفة من الداخل، مجتمعًا ممزقًا، وسلطة لا تعيش إلا على الخوف. الأخطر أن هذا النظام، الذي ادعى العداء لإسرائيل، كان عمليًا أحد أكثر الأنظمة التي وفّرت لها حدودًا آمنة ومستقرة، بينما كان “العدو” الحقيقي في خطابه هو السوري نفسه.
اليوم، تتغير الأسماء وتبقى المعادلة. إسرائيل لا تبحث عن دولة سورية قوية ومتماسكة، بل عن كيان هش، قابل للضغط، تُدار حدوده أمنيًا، ويُترك مجتمعه يتآكل من الداخل. في هذا السياق، لا يكون اختيار قوى ذات تاريخ جهادي عابر للحدود تفصيلًا عابرًا. جبهة النصرة، مهما بدّلت أسماءها وغيرت خطابها، ما زالت بقيادة تحمل تاريخًا معروفًا مع القاعدة. هذا التاريخ لا يُنسى، ولا يُمحى بإعادة التدوير السياسي، بل يبقى ورقة ضغط جاهزة تُستخدم متى شاءت القوى الإقليمية والدولية.
أنتم اليوم تحاسبون وتعاقبون كل من لا ينطوي تحت سلطة أمر الواقع التي فرضتموها، وتعتبرون الخروج عن طاعتكم خيانة، أو انفصالًا، أو تهديدًا للأمن. لكن السؤال الجوهري الذي تتهربون منه: من يحاسبكم أنتم؟ من يراجع الأفعال التي مارستموها، والانتهاكات التي ارتكبت باسم “المرحلة الانتقالية”؟ وأي سلطة بلا آلية مساءلة تتحول بالضرورة إلى سلطة مطلقة، والسلطة المطلقة لا تنتج دولة، بل تعيد إنتاج الاستبداد مهما تغيّرت الشعارات.
ما تفعلونه اليوم ليس “تأجيلاً لحروب”، بل فتحًا مباشرًا لباب المواجهة بين السوريين. أنتم تدفعون المجتمع دفعًا إلى صراع داخلي شامل، حيث يُعاد توزيع العنف بدل إنهائه. من لم يقتله الأسد في سنواته، قد يُقتل الآن في ما تسمونه مرحلة انتقالية، لا لأنها انتقال نحو الدولة، بل لأنها انتقال من استبداد واحد إلى فوضى مقنّعة بالشرعية.
الدولة لا تُبنى بتعريف “الوطني” على مقاس السلطة، ولا بتقسيم السوريين إلى أوفياء ومشبوهين، ولا بإعادة إنتاج منطق الغلبة. الدولة تُبنى حين تُغلق أبواب الدم، لا حين تُفتح على مصراعيها باسم الأمن أو المرحلة أو الضرورة. وما لم تتوقفوا عن هذا المسار، فلن تكونوا جسر عبور إلى سوريا جديدة، بل حلقة جديدة في سلسلة الخراب.
هذا ليس خطابًا عاطفيًا ولا موعظة أخلاقية، بل تحذير سياسي واضح: الطريق الذي تسيرون فيه معروف، ونهايته معروفة. سوريا لا تحتمل نسخة جديدة من البعث، ولا بعثًا بعباءة دينية أو انتقالية.