ما بيطار,سيريانو سيريانو :
تميزت فترة مابعد الاستقلالات العربية , أي بعد الحرب العالمية الأولى والثانية , بموجة من ممارسات التعريب اللغوي المعرفي والثقافي وحتى السياسي ,لذا كان هناك في المدارس اهمالا متعمداباللغات الأجنبية ,وعناية مفتعلة بالعربية بمقصد “ تكريس الوطنية” , فلكي يكون الانسان وطنيا حقا عليه أن يكون عروبيا , وبالتالي عليه الاقتصار على استعمال العربية واهمال اللغات الأجنبية تجنبا للتلوث بالزندقة والكفر, وظنا بأن العربية مقدسة وغنية جدا بالمفردات مقارنة مع اللغات الأخرى , دون معرفة أضرار كثرة المفردات كالخاصة المسماة “ترهل اللغة” ,فعندما تعطي لغة ما للحصان او للجمل مئات الأسماء تعتبر في علم اللغات “مترهلة”!, ودون المام بأضرار تقديس اللغة من حيث اعاقة تطويرها ومن حيث اعاقة قدرتها على حمل ونقل المتطور , اعتبار اللغة مقدسة متجمدة جزءا من الهوية يجمد هذه الهوية , ومن يريد تكريم هذه اللغة عليه تقديم حمولة علمية لها , لقد كانت العبرية ميتة وعادت الى الحياة بعد ان تم تحميلها بالعلم !.
ترافق ذلك الاهمال المتعمد لللغات الأجنبية مع تأخر علمي -معرفي , لاتزال شعوب هذه المنطقة تعاني منه حتى اليوم , فما حملته اللغة العربية من علوم لم يكن كافيا لتوسيع الأفق العلمي لطلاب المدارس والجامعات , ضعف الالمام باللغات الأجنبية اعاق التزود بالمزيد من العلم والمعرفة من المصادر الأجنبية,فمصدر العلم في هذا العصر هو المجتمعات الأجنبية ,والعلم كتب بلغة هذه المجتمعات , ومن يريد الاستفادة من هذه العلوم عليه التمكن من تلك اللغات ,ومن لايتمكن يبقى خارج الفضاء العلمي, ويغرق في مستنقع الجهل المعرفي .
بعد التيقن من أن اهمال اللغات الأجنبية يقود الى اعاقة اكتساب المعارف العلمية , باشرت الوزارات المختصة بتغيير المناهج المدرسية بخصوص اللغات , بقي تعليم العربية على حاله , وازداد الاهتمام باللغات الأجنبية , تم ذلك بصمت في بعض الدول كسوريا , وفي دول اخرى كالمغرب كان هناك اعلان رسمي صريح بفشل التعريب , فشل العربية في التعليم قاد الى استصدار القوانين والقرارات من مجلس النواب المغربي بخصوص تعليم المواد العلمية بلغة أجنبية.
تحولت العربية بالنسبة لطالب العلم في المجتمعات العربية الى لغة أجنبية ,اي انها بخصوص النواحي العلمية غير مفهومة, ومن منا يفهم دلالة الشاطر والمشطور والكامخ بينهما ( السندويشة) ؟, وهل تفهم العامة معنى “التلقيح” او معنى “العلمانية ” والكثير غير ذلك , ثم ان العربية تتميز بوجود فارق كبير بين اللغة المحكية وبين اللغة المكتوبة , اذن أصبحت العربية لغة ثنائية ,أي أصبحت العربية بالنسبة لمن يجيد اللهجة العامية المحكية ولا يجيد اللغة المكتوبة لغة أجنبية غريبة.
هناك في منطقة الشرق الأوسط مايقارب ١٨٠ مليون أمي من أصل ٤٥٠ مليون انسان , بالنسبة لهؤلاء تمثل العربية المكتوبة لغة أجنبية , وهذا الأمر يفسر الى حد ما ظاهرة عدم اهتمام العرب بالقراءة , فالعربي يقرأ وسطيا صفحتين سنويا , بينما الأوروبي أو الاسرائيلي أو الهنغاري او الاسباني الخ فيقرأ حوالي ٥٠ كتابا سنويا , يفسر ايضا ظاهرة العسر “القرائي”, الذي يعني عدم التمكن من قراءة ١٢٠ كلمة في الدقيقة ,من لايتمكن من ذلك يعتبر مصابا بالعسر القرائي ,العربية تحولت لما ذكر من أسباب الى عقبة أمام القراء الغير أميين, لهذا السبب ولعدة أسباب أخرى حول اتاتورك لغة تركيا الى استعمال الحروف اللاتينية,ولطه حسين كان رأي مشابه بخصوص كون العربية معيقة ومعاقة , واعاقتها تمثلت بكونها مقدسة لاتخضع للبحث العلمي , الذي يتطلب النقد والشك على أقل تقدير , ميز طه حسين بين الأدب وبين التبشير بالدين , اللغة ليست جزءا من الدين وليست للتبشير بالدين,اللغة ليست جزءا من الهوية , وعندما تصبح مقدسة جامدة تجمد هذه الهوية, يجب أن تكون اللغة ” حرة ” وتعبر تلقائيا عن حضارة , هنا نسأل عن سبب كون غالبية علماء صدر الاسلام من أصل فارسي!, هناك العديد من الاجابات , نذكر منها ماورد عن الجواهري ,من أن اللغة العربية لم ترتبط بأي حضارة منذ نشأتها , بعكس الفارسية التي ارتبطت بحضارة من الأساس .
دخلت العربية البلاد المفتوحة , وكان الدين حاضنا لهذه اللغة , الدين أعطى العربية بعض التقديس على اساس انها لغة كتاب الدين , الصاق العربية بهذا الكتاب اكسبها كما كبيرا من الشهرة, ولكنها تجمدت وتحجرت بسببه اي بسبب قدسيتها , ولكون اللغة جامدة لم تعد قادرة على صناعة فكر او حتى التعبير عن فكر متطور جديد ,انما قامعة للفكر عن طريق تحجيمه وتقزيمه الى حجم كتاب من ٦٠٠ صفحة , لم يكن بامكان هذه اللغة حمل أكثر مما تواجدعلى تلك الصفحات .
لقد كانت هناك عدة طرق ومحاولات تلقائية للافلات من أسر الكتاب وصفحاته الستمئة , منها النزوح الى العامية , التي كانت شفهية وأصبحت كتابية , كما نلاحظ على صفحات التواصل الاجتماعي, اذ هناك العديد من الذين يكتبون بالعامية , نشعر بأنه من السهل عليهم التعبير بالعامية , وقد يكون طرحهم لأفكارهم بالعامية أوضح وأدق , وما ينقصهم من مفردات أتو بها من لغة أم هذه المفردات ,أي تم التطعيم بمفردات أجنبية ,هذا التطور هو واقع يجدر أخذه مأخذ الجد , والتعامل معه على هذا الأساس, من المستحيل كتابة جريدة بلغة كتاب ابن عبد الله , وحتى ابن عبد الله سوف لن يفهم ما يكتب بلغة جريدة في هذا العصر .
لا علاقة للغة كتاب ابن عبد الله , مع اللغة التي نتكلمها , والبعض يكتبها , هنا نسأل ما هو مصير لغة مسماة فصحى ومقدسة اضافة الى ذلك ؟ , عندما تبتعد اللغة المكتوبة والمنطوقة عن لغة هذا الكتاب ,عندها تتحول لغة الكتاب الى لغة غير مكتوبة وغير منطوقة , وما هي قيمة لغة ليست مخصصة للكلام والكتابة ؟ , عندها تتحول هذه اللغة الى أمر متحفي , الى آثار ميتة ..!
Post Views: 187