ممدوح بيطار , سيريانو :
يتفشى الاعتقاد بفرضية المؤأمرة بدرجات مختلفة في العديد من المجتمعات خاصة في المجتمعات المحمدية العروبية , حيث يمثل هذا الاعتقاد مكونا رئيسيا من ثقافتهم , ومن يتعمق تاريخيا بعض الشيئ يصل الى النتيجة التي تقول ان الأعراب يعيشون حياتهم مسكونين بهذه الفرضية الممثلة “لهوس ” عقلي قوامه هلوسات وهذيانات نمت كطحالب في مستنقع الجهل ,حيث تحول وعي هؤلاء بالكامل الى وعي مؤامراتي , المؤامرة تفسر كل شيئ وتسبب كل شيئ , مع تجاهل كامل لحقيقة كون القوة والمصلحة والسياسة ومعرفة الذات والنقد والموضوعية والوعي هم اركان تطورات كل شيئ والمتسبب بكل شيئ والمعالج لكل شيئ والمحقق لكل نجاح ولكل النتائج الايجابية التي يريدوها ,والتي يعلنوها او لايعلنوها , فالسرية هي ركن اساسي من اركان السياسة , والمؤامرة لاتحتكر السرية , نشعر وكأنه تم استبدال مفردة “السياسة ” بمفردة “المؤامرة “.
من المنطقي سعي السياسيون لتحقيق اهدافهم , وهذه الأهداف هي ذاتها أهداف شعوبهم او دولهم في الحالة “الديموقراطية “التمثيلية , أما في الحالة الديكتاتورية فتحقيق الأهداف يترجم تحقيق أهداف الديكتاتور , والديكتاتور فاشل بطبيعته حتى بدون مؤامرة عليه , هنا يطلق اسم مؤامرة على فشل الديكتاتور , اما في الحالة الدينية-السياسية فالفشل ايضا حتمي لأنه لا مقدرة للجمود والمقدس المعطل للعقل أن ينجح في تطوير الشعوب الى الأفضل , وهنا ايضا يطلق اسم المؤامرة على فشل النظم الدينية ـ السياسية , واقعيا لا يحتاج فشل هذه النظم الى مؤامرة من الخارج, الفشل هنا حتمي وذاتي لعدم تناسق شروط الحياة مع الآيات والعديد من الأحكام الأخرى ذات الأصل الغيبي , فالغيب فاشل في ادارة حياة الأرض حتى بدون مؤامرات , لأن الدين والايمان لايستقيمون مع التطور , وبدون تطور تموت الحياة , وهكذا ماتت حياة شعوب هذه المنطقة على قناعاتها الاعتقادية , التي يظن الأعراب انها تصلح لتفسير اي فشل او هزيمة , لايمكن للقناعة المتعلقة بمفهوم “خير أمة” أن تقر بأنه لفشلها علاقة بقناعاتها الممثلة لنوع من العنانة الحضارية , اي انها لاتنتصب ولا تقف , انما تتواجد في حالة من الارتخاء والعجز المستمر , يمثل مفهوم خير امة نوعا من الفحولة الافتراضية , المتمركزة في العقول وليس في الاعضاء التناسلية , لطالما العلة في العقل , لذا لافائدة من مقويات الفحولة الجنسية ,ولا بد من تقوية الفحولة العقلية , التي تبدو مستحيلة عند انتفاء وجود عقول !.
يتصور المصابون بوهم المؤأمرة كون الأشرار المتآمرين اشخاص فوق الطبيعية بخبثهم , ومقدرتهم على تحقيق اهدافهم لكونهم يملكون مهارات خارقة عصية على الكشف والتوضيح ,وبالتالي المقاومة والمواجهة , انهم بهذه القناعة يعترفون بعحزهم وغبائهم وعنانتهم واستسلاميتهم وقدريتهم , ويعترفون بأن القادر على كل شيئ لايقتدر على أي شيئ يتعلق بنصرة المؤمنين , انه يخذلهم في كل مناسبة , بالرغم من خذلانه لهم يسجدون امامه ويعظموه ويقدسوه ومن اجله يصلون يوميا خمسة مرات على الأقل ,وحسب اوامره يرجمون الزانية ويصومون رمضان ويحتقرون المرأة ويستشهدون في سبيله بدون مقابل ملموس او على الأقل منطقي بعض الشيئ , يعدهم بأعداد هائلة من النساء للنكاح ليلا نهارا في الجنة , التي يقتصر سكانها على المؤمنين دون غيرهم , بالرغم من أن من أوصل رسالة حوريات الجنة الى ادمغتهم ,كان من لم يشاهد في رحلاته مثل رحلة الاسراء والمعراج أكثر من النساء في جهنم, وهل توجد مؤمنة في الجنة ؟,واذا وجدت فهل لها نصيب في نكاح الذكور كنصيب المؤمن في نكاح النساء ؟, او مايسمى الحوريات متجددات غشاء البكارة يوميا ! .
الآن سنعود الى الموضوعية والواقع, حيث تعتبر المصالح وليست الديانات أو حتى القيم والأخلاق الشخصية هي التي تحدد قرارات الدول وتصرفاتها حسب ما تسمى اخلاق السياسة المختلفة عن ماتسمى اخلاق الشخص او الفرد , لاتعرف البشرية سوى ثنائية التناقضات -التوافقات المرحلية , والآلية التي تتعامل مع التناقضات -التوافقات هي اخلاق السياسة , التي تخدم مبدأ المصلحة , لقد كان من مصلحة امريكا ابعاد السوفييت عن افغانستان , ومن مصلحة امريكا ان تقوم مجموعات من المرتزقة الافغانية بذلك , لذا استخدمت طالبان للوصول الى غايتها , وبعد الوصول الى الغاية انتهى الاتفاق من الجهة الأمريكية, وأمريكا لم تستأجر طالبان من اجل الحلول مكان السوفييت , انما من حلول امريكا محل السوفييت , اي أنه للمشكلة علاقة مع سوء الفهم , وحالات سوء الفهم تتكرر كل يوم وكل ساعة ولا يعرف التاريخ البشري أكثر منها , لا علاقة للتناقضات والتوافقات سوى مع المصالح , ولم يتمكن الدينيون من فهم ذلك , لأنهم منغلقون على نفسهم وعلى مفاهيمهم مثل مفهوم خير أمة , والأمر في كل الخلافات يتعلق بوجود تناقضات ليس من العقلاني الموضوعي تجاهلها ,والعاجز هو من يكذب على نفسه لكون الحقيقة مدمرة له ولكيانه الوهمي , ووهم الاعتماد على وعود سماوية بنصرة طرف يعتبر نفسه افضل من طرف آخر بنوعية ايمانه , خيبة الأمل كانت النتيجة الأهم لدى المصابين بالعنانة العقلية العصية على العلاج لأسباب تم ذكرها .
كنتيجة يمكن القول انه لايمكن لهذيان المؤامرة ان يتحكم سوى بمن لاعقل في رؤوسهم , لأن فراغ الرأس من العقل لايسمح بالبحث عن اسباب الفشل ولا يسمح بالاعتراف به ولايسمح بالنقد الضروري لعلاجه ,وهذا الفهم طرحه الطبيبب النفسي المغربي جواد مبروكي بقوله “« ينشأ الطفل العربي في جو يسوده فكر التآمر ضد شعبه ودينه وأمته , ويرسخ في ذهنه أن الغرب بكامله يتآمر ضد أمته, ويمنع أبناءها من التقدم والازدهار, واستنادا إلى الفكر التآمري في ذهنية الطفل العربي, يتم تصوير الغرب على شكل كفار يحقدون على الدين ويحملون الشر والعداء لأمته, وهم بالتالي أعداء له يغزون عالمه بأفكارهم وفلسفاتهم المتقدمة ظاهريا , التي هدفها بحسب تصوره إبعاد العربي عن دينه, بالرغم من اعتبار هذا الدين من أفضل الأديان , والعرب خير الأمم, وعالم الغرب يهابها ويسعى ليل نهار إلى القضاء عليها ,يتربى الطفل العربي المسلم في جوٍ حربي آخذا حذره من أعدائه الغربيين الكافرين, وإذا تحدث معه ابن أمته ووطنه وقبيلته بفكرٍ متفتح وحكيم ومنصف , تراه يتهمه بتحالفه مع الغرب ضده, وهذا هو الذي يضع الفكر العربي -الإسلامي المعاصر في قفص الانغلاق والتخوين والتكفير».
Post Views: 248