مها بيطار , سيريانو:
يعود الانبهار العروبي -المحمدي بالمفكر لو بون الى تشابه النمطيات الفكرية , سنذكر بعض هذه النمطيات , مثل نمطية اعتبار الغزو والفتح حقا طبيعيا , نشط لو بون في اوروبا في فترة احتدام الصراع بين اطروحتين , الاولى كانت اطروحة القائلين بالمساواة الانسانية وحقوق الانسان , والثانية كانت اطروحة الانغلاق على الذات ثم العنصرية والعرقية والفوارق البشرية , ذلك الزمن كان زمن بداية الرأسمالية , التي تسلمت القيادة من الاقطاعية , هنا انحاز لو بون الى الطرف العنصري العرقي ضد فريق المساواة , لابل اعتبر المساواة بين البشر حالة مرضية مضادة لحتمية القدر والتاريخ , التي قسمت البشر الى فئات عليا وفئات دنيا , انه على الفئات الدنيا ان تستسلم للقدر ,أي ان تهيمين عليها الفئة العليا , فهذا امر قدري لامناص منه , انه ميراثها الحتمي ,لذلك اعتبر في كتابه( السنن النفسية لتطور الأمم ) الذي مثل شخصيته , أن مفهموم “المساواة ” بين البشر معاكس لحتميات القدر , اي انه كان قدري ايضا , أي كالمؤمنين بالمحمدية .
ارتكزت تقسيمات لو بون على عامل المقدرىة على القمع والاستيلاء , اي ان تقسيماته رأت أن المجتمعات الدنيا كانت المجتمعات الغير حربية , التي لم تهتم بالسيف والحروب انما بالحرف والرقي المدني واعتبرت النهب والسرقة وما يسمى غنائم الحرب ليست من الفضيلة بشيئ , لذلك حفظت له الثقافة البدوية مقولته بخصوص الفتوحات “وما عرف التاريخ فاتحا أرحم من العرب ” !!!, اي انه يكفي او تكون رحيما بعض الشيئ لكي يحق لك “فتح” مناطق الآخرين والاستيلاء على أملاكهم ثم تقتيلهم وذبحهم , الرحمة نسبية وتعني ان ذبحك ل 40000 شامي مثل نوعا من الرحمة , عنما تملك السيوف التي تمكنك من ذبح 80000 منهم , لذلك تعتبر رحيما , فالرحمة أمر نسبي , ومعيارها هلاكو على سبيل المثال , ومن قال ان ابن الوليد كان رحيما مقارنة بهولاكو , حقيقة كان هولاكو أرحم من ابن الوليد وجماعته ومرسله بدرجات .
لقد تلاقى العروبيون مع الجيفة الفكرية لوبون في عدة مناسبات , مثلا تلاقوا معه في نقطة خير أمة , فخير أمة تبقى خير أمة حتى لو دمرت نفسها ودمرت غيرها حتى لو سرقت ونهبت وارغمت الناس على دفع الجزية عن يد وهم صاغرون , فحملة السوف مثلوا المجتمعات العليا وحملة الحرف كانوا من المجتمعات الدنيا الفاشلة , في تقسيمات لو بون وفي شهادته بخصوص رحمة الفاتحين نرى برهانا ان السيد لو بون لم يكن سوى وحشا مفترسا , أكده في مجال آخر كان مجال حقوق المرأة, وبما أنه رفض المساواة بين البشر , لذا رفض المساواة بين الرجل والمرأة , ورفض الاعتراف بانسانية المرأة ومساواتها بالحقوق مع الرجل , لابل اعتبر ان الخير يكمن في عدم تعليمها وفي اقصائها وتجهيلها , قائلا اذا ما كتب النصر للمرأة سيتحول الأوروبي الى بدويا لامنزل له ولا اسرة, لاعجب في اعجاب العروبييون المتبدونون بلو بون , لأن ماقاله حوالي عام 1884 هو نفس ما قاله الشيخ الحويني او الشعراوي في هذا العصر , اتى ذلك الاعجاب العروبي البدوي الديني بلوبون , بالرغم من اعتباره للعرب عموما اقواما من البجم … سأل بكل صراحة ” أفيمكن أن ينظم الاسباني والانكليزي والعربي في زمرة واحدة ؟ ألا تبدوا الفروق النفسية بينهم لكل ذي عينين؟”
أكد لوبون انه لايمكن تطبيق المبادئ الانسانية الكبرى على كل البشر , فهناك حسب رأيه شعوبا لاتستحق ما تستحقه شعوبا اخرى ,حتى العلم الذي تستحقه بعض الشعوب لاتستحقه شعوبا اخرى , لذلك طور لو بون مفهوم تقسيم الشعوب الى اربعة انواع بدائية ودينية ووسط وعليا , وصنف العرب الفاتحين في مصنف العروق الوسطى, التي صنعت حضارة لم يتفوق عليها سوى الأوروبيون , هنا نفى كون العرب خير أمة , بالرغم من اعتباره “العرق” أمرا قدريا لايمكن تغييره , ونفى تمكن بعض الشعوب من الارتقاء من الصنف الدوني الى صنف أفضل , لأن هذا الارتقاء لايمثل سوى طلاء خارجيا لايؤثر على جوهرهم الداخلي , الذي يعجز حتى التعليم على تجاوزه حسب تعبيره , لذلك قرر السيد غوستاف لو بون نيابة عن التاريخ أن الشعوب الغير اوروبية لاتستحق المساواة ولا تستحق التعليم وبذلك اوجد الأساس النظري للهتلرية النازية.
لاعجب ان يبتهج العروبيون من فريق خاتم الأنبياء وخاتمة الأديان ثم خير أمة بأفكار من هذا النوع, ولا عجب ان يحتلوا ويفتحوا لأن الغنائم حق طبيعي لهم وكل الدنيا لهم , ونشر دينهم بالسيف حق طبيعي لهم , الجزية ودفعها عن يد صاغرة حقهم والسبايا حقهم , وعدم المساواة بين المؤمن والكافر حقهم , انه قدرهم ان يكونوا فوق وقدر الآخرين ان يكونوا تحت , كما رأى هتلر ونازيته , التي لها الحق بمكان لائق تحت الشمس , واين هي المشكلة في اخذ بولندا مثلا ! , فالبولانديين حسب تصنيف هتلر من الشعوب الدنيا , ولا حقوق للشعوب الدنيا.
عموما نرى تطابقا بين نظرة لو بون للتاريخ وبين نظرة العروبيين بخصوص التسلط والقدرية والحقوق والمساواة , من جهة أخرى يبدو أن ما روج لو بون له لايتفق مع ما وصل اليه الفكر الانساني اليوم , أي أنه وقف في وجه حركة التاريخ , كما وقفت النازية وكما وقفت وتقف العروبية ,هذا يعني انهم فشلوا , كنيجة لذلك انقرضت النازية حيث ولدت , والعروبيون في طريقهم الى الانقراض حيث ولدوأ…
Post Views: 332
