الأصولية الحركية والمزيد من التأخر …..
مفيد بيطار , ربا منصور :
ترافقت الصحوة الدينية في العقود الماضية بانتشار واسع نسبيا للحركات الأصولية , لم تكن تلك الحركات , كما يتصورها البعض حصيلة لمؤامرة خارجية , بل نتيجة لخلل بنيوي في عقل هذه المجتمعات , انها نتيجة ثقافة مؤسسة على قراءة معينة للنص الديني الواحد والمتعدد فقهيا (الاسلام واحد ومتعدد ).
لاتعود يقظة الأصولية الى قوتها الفكرية وسجل نجاحاتها ماضيا , انما الى فشل القوة المقابلة لها , اي القوى القومية , التي ركبت العروبة المخصية بدءا من خمسينات القرن الماضي ,فشلت العروبة في تحقيق مجتمع العدالة والديموقراطية والتقدم , وفشلها خلق فراغا , كان من المنطقي ملأه بما هو أفضل منه , نتيجة لاغتيال القوى التي يمكنها ان تكون بديلا عن العروبة , تقدمت الأصولية ببرنامج الفشل الأعظم , المعروف تحت اسم “الاسلام هو الحل” , وبذلك تطورت المنطقة تبعا لقواعد التطور العربية الى الوراء , أي من السيئ الى الأسوء.
تطور الرديف الثقافي للسياسي ايضا حسب منهج من السيئ الى الأسوء , فبدلا من ثقافة بديلة واعدة بالنجاح , أتت ثقافة الفشل , ولا عجب أن تنشط ثقافة مصدرها الدين في مجتمعات يشكل الدين واحدا من مقوماتها الأساسية , لم يكن بمقدور الثقافة الدينية الهامشية الضحلة الخرافية احتلال المشهد لوحدها , لذلك اتحدت مع بقايا القوى العروبية , ليشكلوا سلطة محاصصة حسب مبدأ من كل ما يستطيع ولكل مايحتاج , الثقافة الدينية اعطت السلطة مشروعيتها الدينية , والعروبة احتفظت بقسم من الامتيازات بحيث تحقق ما قاله عفلق “العروبة اسلام , والاسلام عروبة” , قاد حلف العروبة -اسلام , والاسلام -عروبة البلاد ما يقارب القرن من الزمن وأوصل المنطقة برمتها الى الوضع الذي نراه اليوم , والمتمثل بالانهيار الكامل على كافة الأصعدة والمستويات .
يمكن تسمية القوى الأصولية المتعددة والمختلفة بالاسلام الحركي , المحتضن للعديد من التيارات والمجموعات , التي تختلف عن بعضها البعض في العديد من الوجوه , بعضها مسلح والبعض الآخر غير مسلح , بعضها ذبح , والبعض الآخر لم يذبح لحد الآن ,ولكن يمكنه أن يذبح في اي وقت , فالخلفية الفكرية واحدة عند الجميع , تتمثل هذه الخلفية الفكرية بالنظرة الشمولية للدين بوصفه برنامج عمل خلاصي في الدنيا والآخرة , الخلاص على الارض بمعظمه سياسي , ويتمثل باقامة دولة دينية , لافرق ان كانت خلافة أو امامة .
بما أن الاسلام الحركي شمولي , كان لابد لهذا الاسلام الحركي من أن يتدخل في شؤون الحياة من صغيرها الى كبيرها , كان له ان يتدخل في اختراع شعارات منها كون الأزمات نتاج للابتعاد عن الدين , منها ايضا تكريس دونية المرأة وتبخيس قيمتها , كما تعرفنا على هذه النقطة في العديد من المناسبات , منها تصعيب ممارسة عمل المرأة خارج البيت , وعدم مساواتها مع الرجل ثم عدم ضرورة تعليمها كما طالب بذلك الشيخ الحويني , ثم التشديد على اقامة مدارس التحفيظ والمعاهد الدينية , ثم تكريس العداء للحضارة الغربية المترافق مع تكريس اللجوء الى الغرب والدفاع عن وجود الملايين في الغرب , ثم تحريض هؤلاء اللاجئين على ممارسة التقوقع والعزلة والعداء لسيادة القانون والتنصل من الممارسات الخاصة بالحياة الديموقراطية والتنكر للتعدد الذي خلقه وجودهم في الغرب , وكأنهم يتصورون أسلمة ما يقارب من 800 مليون غربي بين ليلة وضحاها , لم يلاحظوا على أنهم بلجوئهم وتطفلهم وفقرهم وتأخرهم لايمثلون قدوة لأحد , لماذا ستتأسلم اوروبا عندما يرى ويلمس الأوروبيون ماذا فعل الاسلام العروبي بالمسلمين العرب , هل نموذج حياتهم ومصيرهم وتأخرهم وعنفهم قدوة لأحد ؟
من المهم فهم الاسلام الحركي وفهم العوامل الموضوعية التي قادت الى صحوته في المجتمعات المحلية , ثم فهم جوهر العلاقة السببية بين أزمة هذه المجتمعات وبين الظروف السياسية الدينية التي تعيشها هذه الشعوب منذ زمن طويل , فالاسلام الحركي ليس حلا لأي مشكلة , انما هو احد تمظهرات وتعبيرات المشكلة العملاقة , يمثل الاسلام الحركي تصعيدا تأخريا, كارثيا , فمجرد تصور اسلام طالبان او اسلام الشباب الصومالي او اسلام داعش أو غيرهم مثير للهلع .
مكن حلف العروبيين مع الاسلام السياسي ذلك الحلف من البقاء على قيد الحياة لفترة أطول من المتوقع, ولكن الحياة مع هذا الحلف تردت الى حد بعيد, ووقعت المجتمعات في أزمة وجودية تمثلت بالفقر والجوع والتأخر والعنف والديكتاتورية وتفكيك المجتمع عن طريق قمع الآخر واقصائه ثم سيطرة الاستبداد على البلاد ! لقد برهنت الأصولية الدينية الحركية على أن وضع البلاد سيكون تحت حكمها أسوء بدرجات مما كانت عليه سابقا حتى تحت حكم الأسدية!
Post Views: 387