انفتح الباب على مصراعيه للنشوة وكأن شيئا لم يكن , النشوة حبلت أيضا وانجبت ثعبان التفاخر والعنتريات والغرور والرعونة ومرض الانفصام , كل تلك النكسات والفشل والفقر والفاقة لم تلفت انتباه العروبيين – الاسلامويين , لذلك لم يسع هؤلاء الى ازالة ما أتلفته وخربته الرعونة والمؤامرة لعنها الله , منطق المتآمر عليهم دفعهم لمطالبة المؤامرة والمتآمرين أن يصلحوا ما أفسدوه, عليهم تمويل تلك الشعوب , وعليهم استقبال اللاجئين , ثم تحرير الشعوب من ذاتها الديكتاتوري , اضافة الى اقامة دولا موحدة لضحايا المؤامرة , عليهم أيضا زرع الديموقراطية في نفوس الشعوب وتخليصها من استبدادها لنفسها, اضافة الى كل ذلك تسليح المتحاربين والملوك والسلاطين الخ , من يتمعن في حال تلك البلدان واتكالية القييمين عليها , ثم الجرابيع والثعابين التي انجبوها وطرق تفكير العروبة -الاسلاموية, لايسعه سوى القول أن تلك الشعوب وأولياء أمرها كانوا وبقوا مضرب المثل في السذاجة البلهاء والجهالة الحمقاء , وأن هؤلاء عقليا ليسوا أسوياء, اي مرضى نفسيا كما قال سعادة !.
نعود الى سعادة وتعريفه للعروبية ونسأل أنفسنا هل كان مبالغا أو واقعيا موضوعيا !, وهل تسمح مسيرة هذه البلدان من المحيط الى الخليج بتقييم مخالف أو معاكس لتقييم سعادة ؟, وهل يمكن لعائق ان يدمر هذه المنطقة بالشكل الذي نراه ونلمسه الآن الا عائق المرض العضال , أي مرض العروبية- الاسلاموية النفسي, ومرض الادمان على الفشل وممارسة الانتحار واحتقار الحياة ثم الاتكالية والقدرية وغيرهم .
أنا ياصديقي متعب بعروبتي , فهل العروبة لعنة وعقاب؟ هذا ماعبر عنه نزار قباني , الذي كتب ايضا إياك أن تسمع حرفاً من خطابات العرب فكلها نحو وصرف وأدب وكلها أضغاث أحلام, ووصلات طرب, يبدو أن العروبة ليست مرض نفسي فقط , انما عقاب ثم احلام وطرب ,انها كذبة كبيرة انخدعت الشعوب بها لعشرات السنين أي منذ الاستقلالات , وفي سبيلها ضحى السوريون بكيانهم السوري , فالشعب انطلق منذ بدايات القرن العشرين متجاوزا مصلحته السورية ومتلهفا لرقعة أمل ومستقبل أوسع وأشمل كان العالم من المحيط الى الخليج , هكذا هيمن بناء ثقافي سياسي عروبي -اسلاموي على عقول الناس من جميع المستويات الاجتماعية والثقافية والسياسية , وهكذا كان موضوع الهموم , فقد حملت سوريا الهم العربي قبل الهم السوري , هل أخطأت سوريا وهل أخطأ السوريون بتفضيلهم الغير على نفسهم ؟ , والغير لم يكن الا كذبة عملاقة ولعنة وعقاب ووصلات طرب قضىت على سوريا ومستقبلها !.
لقد اقتسم السوريون مع العروبة رغيف الخبز وثمار الشجرة وحجر البناء , وهبوا العروبة قلبهم النابض , ماذا فعلت العروبة بقلبها النابض ؟ لاحاجة للبحث عن الجواب , فنظرة عابرة على المنطقة تقدم الجواب, انه وطن قتلته سكاكين الكلمات وجنازير الدبابات وبراميل الطائرات الساقطة من السماء و على الأرض مسالخ الآيات وسواطير الجهاديات والجهاديين , مقتل الوطن السوري كان على يد العروبية -الاسلاموية بالدرجة الأولى .
من ناحية أخرى من الممكن تبرأة العروبية -الاسلاموية جزئيا من المسؤولية عن الفشل , الا أنه لايمكن بشكل من الأشكال تبرئة العروبيين الاسلاميين من معظم المسؤولية , لقد حولوا العروبة الى دين وحولوا الدين الى سياسة, ولا مصير للدين المسيس سوى التيبس , ولامصير للسياسة التي ترتدي الجلابية القريشية الدينية سوى البؤس والتعاسة , اي أن التوأم العروبي -الاسلاموي قضى على نفسه انتحارا ايضا , لم يعد هناك دين كما لم تعد هناك سياسة , لقد أفلست البلاد على يد نظرة ميتة بخصوص اقامة دولة وتطوير الشعوب الى مجتمع متكافل متضامن , عندما بدأ العروبيون بالتفكير القومي العروبي , كان الغرب على مشارف نهاية قكره القومي وبداية فكره الأممي , الذي طوروه الى العولمة , لم تتمكن أوطان هذه المنطقة من مواكبة التاريخ وتطور البشرية, لذلك سقطت الأوطان خارج التاريخ , وتحولت الى ذيل متطفل على البشرية بكل شيئ .
من مسببات الفشل التي يجب ذكرها كان ذلك الميل الادماني للتراثيات والشغف بالقديم المقبور , ثم نزعة ضدية ضبابية غير مفهومة للحداثة ,ثم الشغف بممارسة الطاعة والانصياع المعاكس لطبيعة البشر, مثل طاعة النص الجامد ثم الانصياع لارادة أهداف حلمية, ارادوا وحدة عربية وخلافة اسلاموية دون التفكير بامكانية تنفيذ هذه المشاريع ثم التفكير بنفعية أو جدوى تلك المشاريع !.
تبعزقت الجهود وانقلب السحر على الساحر , فالسعي الى الوحدة العربية تحول الى شرذمة, والدول التي كان عليها أن تتحد مع غيرها تفككت الى عشرات الكيانات , حتى الحديث عن الوحدة تحول الى مصدر للقلق والخوف, كل الأحلام والتصورات تحولت واقعيا الى عكسها , فمطلب الحرية تحول الى استعباد , ومطلب الحداثة تحول الى تكريس الماضوية , لا للتلوث بأفكار الغرب باستثناء منتجاته مثل مقويات الفحولة , لم يدرك العروبيون المؤمنون العلاقة بين العقل والعلم والانتاج , على الأقل من أجل انتاج كلاسين نسائهم , لامواكبة لحضارة الغير بالعقل ولا حتى بالنقل , تحولت الحداثة الى رديف لعدو افتراضي يجب رفضه لأنه مدنس للخصوصية العربية , بدلا من الحداثة كان التحديث الاستهلاكي , التبست الحداثة مع التحديث ولم يدرك العروبيون الاخونجية الفرق بينهما , يجب أن لاننسى هنا مقدرة العروبيين -الاخونج الجبارة على صناعة الأعداء بالشتم والتقريع والهجاء والخطب الرنانة والزعيق المدوي والضوضاء , اقتصرت المواجهة مع الغير المختلف على شتمه والتنديد به بلغة خشبية مكررة للمرة المليون , ثم الخطب التهديدية الطنانة الرنانة والزعيق المدوي والضوضاء….أمة صوتية !, هنا أصاب المفكر القصيمي!كما اصاب سعادة وأصاب نزار قباني !.
الأخذ بمنهجية التطوير والحداثة نقلا عن الغير المتقدم ولنقل الاستعمار! كان الشيئ الوحيد الذي بالامكان الحصول عليه مجانا , رفضت الشعوب نعمة الخلق وانتظرت نعم الخالق , ومنذ عشرات بل مئات السنين والشعوب تنتظر , ولايبدوا أن نعم الخالق آتية !!