ممدوح بيطار ,جورج بنا:
على الرغم من كون العنف لايزال حيا في بعض مناطق العالم , الا أنه تناقص عالميا بشكل ملحوظ , ولكنه ازداد حدة وانتشارا في المنطقة العربية , هذه ظاهرة تتطلب التحليل والتفسير والتبرير, عاد تناقص العنف عالميا الى انتصار ما سمهاه ابراهيم لنكولن قوة او انتصار الجانب الملائكي في الانسان , ارتفاع وتيرته وانتشاره في هذه البقعة من العالم عاد الى العكس من فرضية ابراهام لنكولن , اي الى انتصار الجانب السيئ او كما يسمى في اللغة الدينية “الشيطاني ” في الانسان , ولماذا بقي الجانب السيئ في الانسان العربي ؟ لابل قوي وانتشرأكثر!.
لو اخذنا الربيع العربي وما بعده, وتجاهلنا عمدا التراث العنفي القديم , الذي بدأ بشكل جلي جدا قبل ١٤٤٠ سنة , لوجدنا ارتباطا واضحا بين مستوى العنف وبين وضع الحقوق الحياتية للمواطنين , مثل الحق في الحرية او التعليم او بشكل عام الحياة الكريمة المفقودة في هذه المنطقة من العالم , ارتفع مستوى العنف في الربيع العربي ليس لخطأ به , فالربيع العربي انطلق سلميا بشكل عام , ولكنه وقع في العديد من الدول في مطب العنف , الذي عاد الى سياسة القمع التي مارستها الأنظمة الاستبدادية الديكتاتورية , ومع عنف الأنظمة تناغمت وتفاعلت منظومات ارهابية كداعش وفراخها مثل النصرة والمئات من المنظمات الأخرى الشبيهة بداعش والنصرة , التي قادت الى تشويه العديد من حركات الربيع العربي والى تطور الأوضاع الى شكل مظلم معاكس للاصلاح والتقدم .
تختلف وجهات النظر بخصوص تطور العنف بعد بداية الربيع العربي, الشيئ المؤكد هنا كان العامل الثقافي التراثي , اي أن التأخر الثقافي كان من أهم أسباب انفجار بركان العنف بعد أن همد بعض الشيئ في فترات متقطعة,خاصة عند وجود من ناب عن توحش داعش ,لم تكن هناك حاجة لداعش في شكلها الذي تعرفنا عليه في السنين الماضية ايام العثمانيين , اذ أن العثمانيين كانوا أسوء من دواعش ابو بكر , لقد خوزقوا ما فيه الكفاية وشنقوا وحرقوا من البشر بما فيه الكفاية ,ولم يكن الخلفاء أفضل من العثمانيين ومن داعش , بل كان بعضهم أسوء من داعش وبعضهم الآخر كداعش , لذا فان نموذج داعش ليس وليد هذا العصر , وجذور داعش تمتد الى عصر ابن عبد الله , الذي ذبح كما ذبحت داعش وحرق كما حرقت داعش ,والخلفاء من بعده فعلوا شبيها بما فعلت داعش حسب اعتراف عمر ابن الخطاب , عن علي قوله بخصوص التحريق ” اوقت ناري وناديت قنبرة ” وقنبرة كان المسؤول عن تحريق الناس وهم أحياء , العنف هنا كان مسألة كرستها وفرضتها النصوص ثم شرعنتها والبستها جلابية الجهاد الحريرية .
هناك من يعتقد بأن العنف كان تعبيرا عن صراع الحضارات , هناك صراع حضارات بدون شك , ولكن التاريخ البدوي وحتى الفتوحات لم تكن افعالا حضارية ,ولم تكن هناك حضارة لدى قريش وجيرانها , اقتصرت نشاطات القبائل ومنهم قريش على السلب والنهب والغزو , ثم ان كل الحضارات تركت آثارا مثل الحضارة الفرعونية أو الرومانية أو حضارة المايا او حضارة مابين النهرين وغيرهم , ماذ ترك عرب الجزيرة والمستعربون من بعدهم من آثارا في المناطق التي فتحوها ؟ , هل كانت هناك اثارا دالة على حضارة في السعودية باستثناء الحجر الأسود وحتى في بلاد الشام الغنية جدا بآثار الحضارة , لاوجو لآثار من حقبة ال ١٤٤٠ سنة الماضية , ماهو موجود كان من حقبة ما قبل القرون الأربع عشر السابقة , لذا لايمكن تفسير العنف بمفهوم صراع الحضارات , لأنه لم نكن هناك اي حضارة في هذه المنطقة في القرون الأربع عشر الأخيرة , الفتوحات والجزية والعهدة العمرية وغيرهم ليسوا من المعالم الحضارية المعترف بها , اذن لم يكن هناك صراع حضارات لأنه لم تكن في منطقة الجزيرة العربية ما يمكن اعتباره حضارة .
هناك من يدعي انه للعنف الحالي اسبابا تتعلق بالواقع الجيوسياسي المغلق , الذي قاد اليه الاستعمار الغربي , الذي قاد بدوره الى اقامة الأنظمة الديكتاتورية العنيفة ,هذه الفرضية هشة جدا ,لأن فترة الاستعمار الغربي كانت مقارنة مع الاستعمار العثماني ومع الاستعمار القريشي قصيرة جدا , فرنسا بقيت في سوريا ربع قرن , في حين بقيي العثمانيون اربعة قرون , وبقي عرب الجزيرة عشرة قرون , لم يكن العثمانيون متحضرون ولم يكن عرب الجزيرة متحضرون, بينما كان وضع فرنسا مختلفا جدا , والعديد من السوريين يحنون الآن الى حقبة ربع القرن الفرنسي , لأن اول انتخابات في سوريا في القرون الأربع عشر الأخيرة كانت في الحقبة الفرنسية , وأول قانون للأحزاب ولد في الحقبة الفرنسية , ومدرستي بنيت في الحقبة الفرنسية , كما ان الماء اتى بالصنبور في الحقبة الفرنسية , كذلك الكهرباء بالسلك الكهربائي , وبناء دار الحكومة الرائع في بلدتي كان في الحقبة الفرنسية , كذلك بناء البرلمان السوري كان في الحقبة الفرنسية , وفي مصر اتى نابليون بالمطبعة وجاء بالعلماء الذين اكتشفوا حجر رشيد والكثير غير ذلك , لم يبن العثمانيون مدرسة واحدة ولم يبن القريشيون مدرسة لتعليم الفيزياء والكيمياء او الفلسفة, التي اخرجت من البرامج التعليمية في بعض الدول العربية , اهتموا فقط بتحفيظ القرآن والفقه والأمور الدينية حصرا , كما ان فترة الاستعمار العثماني وفترة الاستعمار القريشي كانتا فترات ديكتاتوريات قبيحة وعنف لامثيل له وانغلاق وضع شعوب المنطقة في حالة من العزلة والجمود , الذي لم يعرف التاريخ شبيها له.
لم تتعلم شعوب المنطقة في القرون العثمانية والحجازية القريشية اساليب الحكم الحديثة , لأن المستعمر العثماني والمستعمر القريشي لم يعرف هذه الأساليب ولم يمارسها , بينما عرفها الفرنسيون والبريطانيون ,لقد كان هدف كل اهل بلاد الشام في القرن الماضي التخلص من الاستعمار او الانتداب الغربي ,ولكن تبين خلال القرن الأخير أن هذه الشعوب لم تكن متمكنة من فنون الحكم الذاتي , انخرطت الشعوب في الاقتتال والتجزئة والتفرقة وتحولت الى فقاسة لانتاج الديكتاتوريات البغيضة , الشعوب كانت مؤهلة للاستعمار حسب مالك بن نبي ,اي بحاجة للمستعمر المتحضركانتداب ,الذي قد يساعد بعض الشيئ في تدريب الشعوب على ممارسة الديموقراطية والحكم الذاتي , لم يكن بامكان السلطان سليم الأول او بامكان عمر ابن الخطاب او حتى ابن عبد الله ومن تلاهم جميعا تعليم الناس اساليب الحكم الراشدة الديموقراطية المحترمة لحرية الانسان,طول مدة الاستعمار البدوي القريشي – العثماني قاد الى ترسيخ وتكريس قيم الحرب والعنف والفساد والقبلية , لا يزال العنف البدوي مهيمنا حتى هذه اللحظة
Post Views: 535