سمير صادق, عثمان لي :
تطورت البلاد تراجعا خلال العديد من القرون الماضية,تعفنت وفسدت وأصبحت لا أخلاقية , انعدمت الديموقراطية والحريات وتعمقت الديكتاتورية, لتأخذ أشكالا مذهلة في بدائيتها وضراوتها , اغتربت البلاد عن الحاضر والمستقبل , وغرقت في الماضي بتزايد, أصبح الانسان غريبا في بلاده الخضراء التي تحولت الى صحراء وحياة بدوية ,لم يعد للاصلاح مكان , لذلك كان لابد من علاج جذري , كانت الثورة , التي عليها ازالة الخراب وبناء صرح التقدم والعدالة والحرية .
تحققت موجبات الثورة قبل زمن طويل وليس بداية في عام ٢٠١١ , انما قبل عام ٢٠١١ بالعديد من القرون , فالعصر السلطاني العثماني استحق ثورة , والعصر الخلافي القريشي استحق ثورة لابل ثورات , أتت الثورة متأخرة , وكان خيرا أن تأتي متأخرة من أن لاتأتي , أساسها كان ادراك الخلل العام من قبل العموم , ومهتها كانت ازالة هذا الخلل, ثم تشييد بناءا جديدا لاعلاقة له بالبناء السابق , احتضنت الثورة معظم الناس,فكينونة هذه الثورة واهدافها وجدت تطابقا نسبيا جيدا ليس مطلقا مع كينونة وأهداف معظم أفراد الشعب السوري , أي ثورة شعبية بامتياز!! .
لم تعمر هذه الثورة طويلا , فبعد اشهر من اندلاعها , بدأ وحش السلفية في نهشها , الى أن تم القضاء عليها نهائيا عام ٢٠١٢ او حتى عام ٢٠١٣ , هنا فقدت الثورة كل معالم الحيوية , ودخلت في غيبوبة عميقة , توقف الفعل الثوري بنموذجية ومنهجية عام ٢٠١١ , الحراك الذي قضى على الثورة انتحل اسم ثورة , ثوارها كانوا من نوع الدواعش اي من جنس الأصولية السلفية الدينية , التي صبغت الحالة السورية بصبغتها ومضمونها الرئيسي, الذي كان ممارسة العنف المسلح لأسباب مبدئية أولا , حتى وان لم يكن للعنف ضرورة موضوعية , العنف بحد ذاته هدف,لأن العنف بتجلياته القتالية الحربية هو الطريق الأمثل والأسرع الى الشهادة , وبالتالي ضمان الجنة في الحياة الأخرى, انه ايضا ادمان على ممارسة العنف , الذي عاشت البدوية معه طوال حياتها واعتاشت منه ومن غنائم الحرب .
لم تكن هناك اي صعوبة في افتعال حالة العنف والحرب عن طريق خلق حالة الخلاف , وما اسهل من خلق حالة الخلاف , هنا يكفي التمسك بعصمة وقداسة النصوص وتفسيراتها المطلقة الجامدة , لكي يصطدم ذلك بعصمة نصوص أخرى أو بالسياق التاريخي أو حتى بمبدأ النسبية , وما أسهل من خلق حرب بين مشيئة البشر ومشيئة خالقهم , فمشيئة البشر مختلفة ومتنوعة ومتعاكسة ومتوافقة, أما مشيئة الخالق فهي واحدة لاتقبل التغيير أو التطوير , لذا فالصدام كان حتمي بالمطلق .
بعد اغتيال الثورة , التي لم تعمر سوى بضعة أشهر , “تألهت” الحالة السورية ولبست جلابية العقيدة وتحول الصراع من سياسي , الى عقائدي مذهبي بين عدة محاور مذهبية , وبذلك التغى جوهر الفعل الثوري الهادف الى اشادة بناءا جديدا ,وابتعدت أهداف الصراع الجديدة عن أهداف الصراع المبدئية التي شغلت الناس وقادت الى الثورة , مثل حالة الفقر والتأخر والاستبداد واغتيال الحريات وتعمق الديكتاتورية الخ , لم تعد للصراعات الجديدة علاقة مع كل هذه الأمور , الصراع تحول الى صراع بين الكفر والايمان بين مذهب وأخر , بين نص ونص ,وبين عقيدة وعقيدة , اغترب الصراع الجديد عن مفهوم الثورة واقترب من مفهوم الفتنة , التي لاناقة ولاجمل للجائع بها وبصراع العقائد الدينية , يتوضع صراع العقائد الدينية خارج اهتمامات المتضررين من الجوع والبؤس والظلم والاستبداد, صراع العقائد والمحاور الدينية مجانبة لاهتمامات وأهداف المظلوم حياتيا , انها غربة له , فالعلماني مثلا غريب في تناحر مذهبي , ولا يستطيع تسمية التناحر المذهبي “ثورة” , وانما حرب مذهبية, تضيف الى الظلم ظلما آخر.
تتمركز اهتمامات العلماني حياتيا حول الأرض وما عليها ,أي حول” ثورة ” لأنه للثورة مسببات وأهداف أرضية , أما ما تطورت اليه الحالة بعد اغتيال ثورة ,٢٠١١ فقد كان مذهبيا لاعلاقة بالأرض والبشر , الدليل على ذلك كان ذلك الاستسهال والانفلات في تحطيم كل شيئ على الأرض ,لقد قنل الاغتيالون الجدد الانسان من أجل احيائه في جنان السماء , هدموا بيته من أجل اسكانه , هيمنة القتل والتخريب كان دلالة على “ثانوية” مسألة الانسان وأولية مسألة عميان الاديان , وكأن الأمر قد تحول الى استمرارية لكربلاء بعد أن كانت كربلاء استمرارا للسقيفة, مع هذه الحالة الجديدة تلاشى التطابق النسبي بين كينونة الحركة وأهدافها وبين كينونة وأهداف وطموحات معظم أفراد الشعب السوري, الذين سقطوا في مطب الاغتراب ,فما حدث كان غريبا جدا!! .
لايمثل اغتيال ثورة آذار ٢٠١١ استمرارا لثورة , الاغتيال يمثل العكس من الثورة هدفا واسلوبا وفكرا وفلسفة , العكس من ناحية نوعية الاتجاهات ,ومن ناحية الوسيلة العنفية , ومن ناحية الخلفية الفكرية الايمانية القدرية الجهادية ,عموما لاتصنع ضدية المذاهب الدينية ثورة انما فتنة, والفرق بين الفتنة والثورة كبير جدا , مايدث الآ ليس امتدادا لثورة ٢٠١١ اليتيمة وليس استمرارا لها , انما انقلابا عليها , عمليا تحقيقا لما ارادته الأسدية ولم تتمكن من تحقيقه , أي أن الوضع الحالي يمثل امتدادا للأسدية واستمرارا لها تحت اسم آخر, لقد تطور الأمر الى حرب طائفية, أي الى فتنة لاتأخذ بعين الاعتبار الانسان والأرض , انما الدين والايمان والخالق, وقد اعلنها حزب الله بكل صراحة , فهدف الحزب الحربي المبدئي كان حماية المراقد المقدسة وممارسة التشييع وبناء الحسينيات , الجهة الأخرى المنافسة لم تقل وهابية وتيمية وبعدا عن ثورة الأشهر الستةمن عام ٢٠١١ عن خمينية الجهة الاولى , لاعلاقة للثورة من أجل حياة أفضل مع الصراعات المذهبية حول أمور سماوية, ولا يمكن للثوري أن يتحزب لأي طرف من أطراف الصراع المذهبي , مهمته مكافحة كل هذه الأطراف , وعدم المشاركة في قتل البشر وتهديم البلاد من أجل الجنة والسماء.
حرب السنوات الأربع عشر الأخيرة أوقفت استمرارية ثورة اذار ٢٠١١ ,معظم ثورات العالم عرفت تطورات مشابهة اي نكسات , الم تعد الملكية بعد سنوات من الثورة عليها في فرنسا !!!!!! ,اصابة الثورة بنكسة ليس برهانا عن موتها النهائي , الثورة هي ترجمة لموجباتها ومسبباتها , لطالما وجدت الموجبات ستوجد ثورة!!!
