ممدوح بيطار , جورج بنا :
هل يشك ذو عقل بتأخر العالم المستعرب المحمدي ؟؟ هنا لاشك ايضا بضرورة البحث عن المسببات , ولا شك أيضا بالدور الكبير الذي يلعبه الدين في حياة هذه الشعوب المتأخرة , لذلك فانه من الضروري بحث علاقة الدين خاصة تطبيقاته مع التقدم والتأخر , بحث يهدف المصلحة أولا وأخيرا , ولا علاقة له بالانتقاص من الدين أو الانتصار له .
اننا نتوضع بين تيار يقول بأن التمسك بتطبيقات معينة للدين هو سبب التأخر , وتيار يقول بأن التخلي عن تطبيقات دينية مختلفة هو المسبب للتأخر , فالتأخر مرتبط بالانكفاء عن الدين والتقاعس في تطبيق شرائعه وأحكامه , وحسب نظرة المغفور له الشيخ البوطي يقوم الله الغاضب على الرافضين لشريعتة بالانتقام من عباده الضالين.
هدف التفكير بنظرة التيار الأول والتيار الثاني , هو في كل الأحوال حماية المصلحة العامة , والجواب الهادئ المتزن العقلاني هو أيضا من أجل المصلحة العامة , التي تتجاذبها هذه التيارات , التي تمثل من جهة ثقل حضارة الانسان الحديث , ومن جهة أخرى ثقل حضارة ماضوية تراثية محافظة ومحفوظة في قنينة الغيبية المسدودة باحكام , تيار يعتقد بعدم صلاحيتة لكل زمان ومكان , وتيار يعتقد بمطلقية صلاحيته لكل زمان ومكان .
هناك الكثير من الغرابة في أطروحة التيار الذي ينتحل صفة المؤمن والصلاحية لكل زمان ومكان , فماذا عن الشعوب التي تنعم بالأمان ولا تمارس الايمان ! , تنعم بالاستقرار دون الاجترار , وبالعقل دون النقل , مجتمعات ملحدة كافرة بنظر المشايخ , ومن الكفر التلوث بها لأنها من رجس الشيطان وجنسه , وكيف يمكن لذو عقل تفسير ظاهرة أفغانستان والصومال وجمهورية البشير الدينية ثم خلافة أبو بكر بسكاكينها وسواطيرها , وهؤلاء كلهم كانوا القاضي والجلاد , وحكمهم كان بالنيابة عن الله , الذي لاهم له الا رفضهم والانتقام منهم , أطعمهم الفقر الذي أكلهم, والعنف الذي قتلهم , والجهل الذي دمرهم ,هل كان سبحانه عادلا أو أنه كان متآمرا مع الأمريكان والطليان والألمان, الذين يتناقشون وينقدون ويطورون ويحترمون الرأي الآخر , لأن وجود الرأي الآخر هو جوهر صناعة نظرة حياتية جديدة , صناعة لاتسمح بولادة التعسف والديكتاتورية , هذه كانت احدى معالم الثقافة اليونانية الرومانية , التي تم استبدلاها بثقافة سقيفة بني ساعدة التي حددت الفهم السائد سياسيا ودينيا في هذه المنطقة المستعربة البدوية المحمدية حتى الآن .
مقارنة المنطقة البدوية المستعربة مع مناطق أخرى في العالم كماليزيا وسنغفافورة , تقود الى الشك بكون الدين بحد ذاته ليس مسببا أساسيا من مسببات التأخر , وليس طرفا أساسيا في البحث عن مسببات التقدم , فمع الدين تقدمت دولا وشعوبا وتأخرت أخرى وتوضعت في مؤخرة الأمم , الدين أصلا هو تعريفا لعلاقة شخصية بين طرفين , لايقدم الدولة ومجتمعها ولا يؤخره بشرط انكفأئه عن الفضاء الاجتماعي , وبشرط اعتكافه في الفضاء الشخصي , وبالتالي التزام دور العبادة مكانا لممارساتهم , يعود تقدم ماليزيا وسنغفورة الى كونهم دولا مدنية علمانية لاعلاقة لتشريعاتها بالشريعة , في هذه الدول ايضا مؤمنين, وبسبب عدم المامهم بالعربية لم تكن لهم علاقة ثقافية مع البدوية الدينية الحجازية , لقد انتبه كمال اتاتورك الى هذه النقطة , وقال في تبريره لمنع اللغة العربية, اي استبدال حروفها بالحروف اللاتينبة , انه لايريد اي احتكاك ثقافي مع الاعراب ومع بدويتهم المناقضة لعلمانيته وللحرية والديموقراطية .
الاسترشاد بالدين في غير فضائه وخارج مسؤوليته ومهماته أي في اسقاط الدين الشخصي على الحالة الاجتماعية العامة , كان جوهر المشكلة , وهو الذي قاد الى الوقوع في مطب التأخر والاقتتال , الذي كان شريعة ماقبل الدعوة واستمر في الدين الجديد بشكل حروب طاحنة ابتدأت قبل حروب الردة ولم تنته بكربلاء , وبالرغم من ذلك لم تستتب الأمور , بل ازدادت تعقيدا وكارثية لتصل شعوب اليوم الى حالة ما قبل الاندثار الكامل وحالة الهامشية والانعزال في العالم والانكفاء عن المساهمة في بناء الحضارة العالمية , وبالتالي الخروج من التاريخ , فمن يريد البقاء في التاريخ عليه أن يكون مؤثرا ايجابيا على تطوره , خاصة في مجلات لاتمت للحروب والاحتلالات بصلة , الحروب والاحتلالات وما رافقها من سلب ونهب (غنائم حرب ) كانت صورة عن الوجه القاتم السلبي للتاريخ , الحقت الفتوحات الضرر بكل البشرية , لذلك تم منعها بقرار من عصبة الأمم المتحدة عام ١٩٠٥ , اكبر المتضررين من الفتوحات كانوا الفاتحين , اذ اعاقتهم السلبطة على الشعوب الأخرى من تعلم ثنائية الانتاج -العيش , السيف لم يكن مخصصا للانتاج انما للهيمنة والقتل والسرقة والنهب , كل ذلك استمر بالعنف الحالي الممثل لثقافة السيف وفي الفساد الممثل لثقافة غنائم الحرب , لاعجب هنا في هذا العصر من اختراع مفردة “تعفيش” المعبرة عن غنائم الحرب والفساد , حتى ان الذين عفشوا الغوطة اي ماهر الاسد وشركائه ومنافسيه اعتبروا تعفيش الغوطة شرعي كشرعية غنائم الحربّ, حلال زلال !.
لاغنى عن الاستفادة من الدروس التاريخية , ذلك يتطلب الشعور بالحاجة الى دروس, وهذا يتطلب بدوره الاعتراف بالعجز أو الضعف أو الخطأ , اطلاق اسم النكسة على الهزيمة , هو تعبير عن انتحال اسم مستعار لغير مسمى , فمفهوم النكسة يقلل من حجم المسؤولية الذاتية وبالتالي يقلل من الحاجة للتعلم , هكذا لم يتعلم أهل النكسات من التاريخ ولم يستفيدوا من دروسه , وسمحوا بالتالي للجهل وعدم المعرفة وانعدام الخبرة باحتلال عقولهم !
لذلك بالطبع مسببات !, من أهمها الشعور بامتلاكهم للحقيقة المطلقة ذات المصدر الديني الايماني , ثم اعتمادهم على وعود الهية بالنصر المؤكد ولو بعد حين , ثم يقينهم الغير قابل للتغيير بأنهم محبوبون من الله , الذي اعتبرهم خير أمة , لاحتكارهم الايمان الصحيح , انهم اخوة لله , لأن الله مسلم ..والاسلام هو دين الله وليس لله دين آخر , بالنتيجة وللعديد من الأسباب الأخرى لم يتعلموا واستحقوا لقب المستعصي على التعلم وعدم القابلية للتعلم , بقوا على دين التلقين والطاعة , ففي القرن الحادي والعشرين اعتلى الشيخ المنبر وحاول البرهنة على أن الوصول بالطائرة الى الهند غير ممكن , اذا دارت الأرض وكانت بيضوية أو كروية , لذا لابد من أن تكون الأرض مسطحة , وهناك أمثلة عديدة عن اختراق المشايخ لبطن الخرافة , العبرة كانت بالشعب المتنصت لشيخ المنير, فبصمتهم قالوا للشيخ سمعا وطاعة( أحد خواص الثقافة الشفهية) ,الأرض اذن مسطحة , وفي اليوم التالي ذهب أولادهم الى المدارس, التي علمتهم بأن الأرض كروية, فما هو مصير هذه العقول المعرضة للتدمير من جهة وللتعمير من جهة أخرى , ثم يقال انهم يعانون من الانفصام , أليس ما يتعلمونه انفصامي؟
لاوجود لتعريف موحد أو واحد بخصوص حضارة شعب , بشكل عام يمكن اعتبار الحضارة مجمل مايقدمه هذا الشعب للانسانية من ايجابيات وخدمات وابتكارات وانجازات الخ , لذلك فان الاعتراف بأن هذه الشعوب البدوية المستعربة متأخرة هو بمثابة اعتراف بعدم وجود حضارة ,من يعترف بالتأخر ثم يتحدث فخرا عن حضارة هو انفصامي, ولا امكانية لغير الانفصامي دمج الضديات مع بعضها البعض , لا وجود لمفهوم منطقي يزاوج بين التأخر والحضارة
Post Views: 431