لمن سأقول بعد اليوم صباح الخير……

روزا  ياسين  حسن :

لا شيء يكسرنا".. كاريكاتير عن المأساة السورية | أخبار ثقافة | الجزيرة نت    ابتداء من يوم الخميس 6 آذار/ مارس 2025 ولمدة ستة أيام تالية، تعرّضت مناطق ذات غالبية علوية في الساحل السوري إلى

هجوم منظّم يحمل ملامح التطهير العرقي من مجموعات مسلّحة محسوبة على الحكومة المؤقتة في دمشق، راح ضحيته أكثر من ألف مدنيّ من أطفال ونساء وشيوخ ورجال، حسب المرصد السوري لحقوق الإنسان، من دون إعلان السلطات الرسميّة عن عدد القتلى.

“درج” ينشر شهادات ناجيات وناجين من المجزرة تباعاً بحسب ما وثّقتها ودوّنتها الكاتبة السورية روزا ياسين حسن، وتنشر الشهادات بالإنكليزيّة بالتزامن على موقع “حكاية ما انحكت”.

قبل يوم واحد من المجزرة، لم أتخيّل للحظة أن شيئاً مما حدث سيحدث. لم أتخيّل، حتى في أبشع كوابيسي، أن أرى في شارعي وحده أكثر من 32 جثة مكوّمة عند مداخل البنايات والبيوت وعلى الأسطح، وأني سأضطر للمشي على جثث جيراني وأصدقائي ومعارفي حتى أعبر!

أحاول أن أحمل جسدي كي لا أُثقل عليهم، يا ليتني استطعت المرور فوقهم كغيمة، كطائر يمسّهم بجناحيه بحب. حي القصور الذي أسكن فيه في مدينة بانياس حي كبير وراقٍ، غالبية سكانه من الطائفتين العلوية والمسيحية، وبعد العام 2011 أتى إليه نازحون من مناطق أخرى دُمرت كحلب وإدلب، عاشوا بيننا وتعايشنا معهم.

صحيح أني رأيت فيديوهات عن عناصر مسلّحة يهينون علويين في مناطق متفرّقة، بجعلهم يعوّون وبشتمهم بأقذع العبارات، وقرأت على “فايسبوك” أن هناك مشاكل في مدينة جبلة، وأن هناك عناصر من الأمن العام قُتلوا هناك على أيدي فلول من نظام الأسد، وثمة توعّد بالاقتصاص منهم. لكن مدينتنا آمنة، لطالما كانت آمنة، هذا ما اعتقدته، فمنذ ثلاثة أشهر حين سقط النظام السابق وحتى اليوم لم يحدث شيء. عناصر الأمن العام بلباسهم الأسود موجودون باستمرار في مفرزة قريبة من الحي، لم يحصل قبلاً أي اشتباك أو مشاكل ولا حتى حملات تفتيشية.

لكن ما حدث جعل عشرات الأسئلة المتضاربة تجنّ في رأسي، لماذا؟

أنا سامر (اسم مستعار) محامٍ، عمري 31 سنة، انشغلت منذ عشر سنوات بالإغاثة والعمل الإنساني، ولطالما عملت مع مخيمات النازحين لأهلنا من حلب وإدلب ومناطق الحرب في سوريا، لكن شيئاً من ذلك لم يشفع لي، ولا لعشرات الضحايا من حي القصور. 

بدأ الأمر كله يوم الخميس 6 آذار/ مارس 2025، كانت أمي تحضّر لإفطار شهر رمضان نحو الساعة 6 مساء، حين بدأ صوت إطلاق رصاص بعيد يقترب ويتكاثف، والخوف، الخوف الذي يجعلك عاجزاً عن التنفس، هو ما أمضينا ليلنا معه وأصوات القذائف تتناهى إلينا أقوى وأقوى. لم نعرف ماذا يحدث! لكن رغم ذلك بقيت نوعاً ما مشكّكاً بإمكانية إيذائنا، أو ربما آملاً بألّا يتم إيذاؤنا. 

أتى صباح الجمعة 7 آذار/ مارس محطّماً ببشاعته كل أملي. في الساعة 8 صباحاً، عاد إطلاق الرصاص أكثر شدّة واقتراباً، وثمة حركة غريبة في الحارة. جارتي في الطابق نفسه من بنايتنا وحدها ولديها أربعة أطفال، لذلك فقد ذهبنا إليها أمي وأبي وأنا. لبثنا مرتعبين في البيت، الأولاد خائفون، كلما صارت الأصوات في الخارج أقوى كلما ازداد رعبهم. البكاء، الوجوه الشاحبة، الصلوات، وأنا أشعر بالخوف يأكلني. لم نخرج، رحنا نقرأ على “فيسبوك”، أن هناك حملات تفتيش للجيش عن الأسلحة، فافتحوا لهم ولا تخافوا. أُهدّئ من روع أهلي والجارة وأولادها لأهدّئ من روعي شخصياً: 

لا تخافوا هذا الجيش لن يؤذينا… سيفتّشون ويذهبون… هذا جيش البلاد. 

أسمع صوتي غريباً وأتساءل بيني وبين نفسي: إذا كانت حملات تفتيش فحسب، فلماذا كل إطلاق الرصاص هذا وأصوات الانفجارات! من يضرب؟ من يطلق الرصاص؟

بدأت أصوات رجال يصعدون الدرج بعنف تصلنا، سمعنا أصوات خلع الأبواب، ووصلوا إلينا، كانوا ستة عناصر بأسلحتهم وجعبهم العسكرية، بلباس عسكري صحراوي، ملثمون ولا تظهر إلا عيونهم. لماذا قد يكون الجيش ملثّماً؟  

هل أنتم علوية أم سنة؟ 

علوية

سألوني. لكن لماذا قد يسأل جيش الدولة عن طائفتي؟

دخلوا البيت. عنصر منهم بقي خارجاً، له عيون آسيوية تبدو من تحت اللثام، صامت لا يتكلّم. هل هو شيشاني أو أوزبكي أم ماذا؟ سألت نفسي. حينما راح أحدهم يفتّش في موبايلي، رأى صوري مع أصدقائي وصديقاتي، فصاح رفيقه: أعدّ له الموبايل، كله فسق وفجور. فيما كان عنصر آخر يسأل: شيخنا هل نكمل التفتيش؟ 

لماذا يقول له شيخنا؟ هل هناك جيش فيه شيوخ؟

هل تخرج مع مجموعات مسلحة؟

لا أنا محامٍ، وأعمل مع المنظمات الإنسانية!

خرا عليك وع الإنسانية تبعك.

قال لي قبل أن يخرجوا من البيت من دون أن يؤذونا. لكني هرعت من فوري إلى المطبخ لأستطيع مراقبة ما يحصل خارجاً من خلف ستارة الشباك: السيارات تحترق في الشارع، وأنا أسمع دقات قلبي، إذ كانت أقوى من رصاص الخارج، كافيه الحارة تحترق، وشباك مطبخ الجيران قبالتي متشظٍّ. لبثنا كلنا في الكوريدور وأغلقنا كل الأبواب حتى الساعة 12 ليلاً حين بدأنا بسماع صوت تكسير السيارات، وصيحات الله أكبر. هذه الصيحة تخيفني كثيراً، لا أعرف لمَ لا تعني لي مثل هذه الحالات إلا الموت. لكن لماذا قد يصرخ الجيش الله أكبر؟

الساعة 8 صباحاً من يوم السبت، عادت الأصوات المرعبة وصرخات الله أكبر، سمعت صرخات نساء تتصاعد من كل مكان من الحي. صراخ من الخارج وصراخ من الداخل والأولاد يبكون بشكل هيستيري، قرّرنا النزول إلى بيت جيراننا في الطابق السفلي لنكون معاً. 

جارنا في الطابق السفلي من مدينة إدلب. لا أعرف لماذا خطر لنا هذا! لكن لربما حمانا عنده. في هذه اللحظة التي وصلنا إليه فيها وصل الملثمون المسلّحون مجدداً إلى البناية. حين عرفوا أنه من إدلب قالوا له: قف على جنب. عادوا لسؤالنا إن كنّا علويين، ثم أخذوا مفاتيح سيارة جاري. زوجته كانت منهارة، تصرخ وتنوح قائلة لهم: 

نحن كل عمرنا كنا مع الثورة، وكل عمرنا ضد الظلم. نحن معكم. 

اخرسي إنت

أسكتها أحد العناصر قبل أن يعيد لها مفاتيح السيارة. قائلاً: إذا جاءكم فصيل ثان فلا تقولوا لهم إننا أعدنا لكم مفتاح السيارة فيقتلونكم. 

أي فصيل آخر سيأتي؟ ولماذا سيقتلوننا؟ ما الذي فعلناه؟

عدنا الى البيت، صراخ النساء يعمّ المنطقة، وأنا لا أستطيع التفكير. كل شيء مشوّش، وفجأة هدأ كل شيء كأن الحارة قد فرغت! عدت لأتلصّص من وراء الشباك. البيوت المسيحية لم يتمّ الدخول إليها، كذلك بيوت النازحين السنّة. بيت خوري الكنيسة لم يدخلوه كذلك، لكنهم قتلوا والده جهاد بشارة وهو في الشارع يتفقد سيارته. كيف عرفوا بيوت الناس وطوائفهم؟ هل هناك مخبرون بيننا؟ هل هذه المجزرة مخطّط لها؟ بعد أيام ستخبرني صديقتي التي تسكن البناية المقابلة لنا كيف خطفوا والدها ولم يعد حتى اللحظة، بعدما كان يحاول إقناعهم أن بيت الجار الذي يحاولون كسره فارغ. قالوا له: “كول خرا، نحن نعرف بالضبط لعند مين جايين”.

البيت لضابط سابق في جيش الأسد، هرب منذ عشرة أيام. هل كان يعرف بما سيحصل؟

صارت الاتصالات تأتيني، صفحات الفيسبوك تقول: من يستطيع أن يصل إلى مساكن المصفاية في مدينة بانياس فهي آمنة ويحاوطها الأمن العام. خلال الأشهر الماضية، لم يحدث شيء مع الأمن العام، كانت لدينا قناعة أنهم عناصر منضبطة. لكن أين هم الآن؟ ولماذا اختفوا فجأة من الحارة؟ ألم يكن عليهم حمايتنا؟ حاولنا النزول مجتمعين لنذهب هناك سوية. 

لكن سيارة للهلال الأحمر كانت تقف في الشارع. شعرت بالاطمئنان قليلاً، فقد سبق لي وعملت مع الهلال الأحمر، وأعرف أنه لا يمكن أن يدخل منطقة إن لم تكن آمنة لمتطوّعيه. عناصر الأمن العام يحيطون بسيارة الهلال الأحمر. كيف ظهروا فجأة؟!

نحن آتون لنأخذ الجثث… 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *