سمير صادق , مفيد بيطار :
على الرغم من كون العنف لايزال حيا في العالم , الا أنه تناقص عالميا بشكل ملحوظ , ولكنه ازداد حدة وانتشارا في المنطقة العربية , هذه ظاهرة تتطلب التحليل والتفسير والتبرير, عاد تناقص العنف عالميا الى انتصار ما سمهاه ابراهيم لنكولن قوة او انتصار الجانب الملائكي في الانسان , ارتفاع وتيرته وانتشاره في هذه البقعة من العالم عاد الى العكس من فرضية ابراهام لنكولن , اي الى انتصار الجانب السيئ او كما يسمى في اللغة الدينية “الشيطاني ” في الانسان , لماذا بقي الجانب السيئ في الانسان العربي ؟ لابل قوي وانتشرأكثر!.
تختلف وجهات النظر بخصوص تطور العنف بعد بداية الربيع العربي, الشيئ المؤكد هنا كان العامل الثقافي الذي كان تراثيا , اي أن التأخر الثقافي كان من أهم أسباب انفجار بركان العنف بعد أن همد بعض الشيئ في فترات متقطعة,خاصة عند وجود من ناب عن توحش داعش ,لم تكن هناك حاجة لداعش في شكلها الذي تعرفنا عليه في السنين الماضية ايام العثمانيين , اذ أن العثمانيين كانوا أسوء من دواعش ابو بكر , لقد خوزقوا ما فيه الكفاية وشنقوا وحرقوا من البشر بما فيه الكفاية ,ولم يكن الخلفاء أفضل من العثمانيين ومن داعش , بل كان بعضهم أسوء من داعش وبعضهم الآخر كداعش , لذا فان نموذج داعش ليس وليد هذا العصر , وجذور داعش تمتد الى عصر ابن عبد الله , الذي ذبح كما ذبحت داعش وحرق كما حرقت داعش ,والخلفاء من بعده فعلوا شبيها بما فعلت داعش حسب اعتراف عمر ابن الخطاب , عن علي قوله بخصوص التحريق ” اوقت ناري وناديت قنبرة ” وقنبرة كان المسؤول عن تحريق الناس وهم أحياء , العنف هنا كان مسألة فرضتها النصوص وشرعنتها والبستها جلابية الجهاد الحريرية .
هناك من يعتقد بأن العنف كان تعبيرا عن صراع الحضارات , هناك صراع حضارات بدون شك , ولكن التاريخ البدوي وحتى الفتوحات لم تكن افعالا حضارية ,ولم تكن هناك حضارة لدى قريش وجيرانها , اقتصرت نشاطات القبائل ومنهم قريش على السلب والنهب والغزو , ثم ان كل الحضارات تركت آثارا مثل الحضارة الفرعونية أو الرومانية أو حضارة المايا او حضارة مابين النهرين أو الحضارة اليونانية وغيرهم , ماذ ترك عرب الجزيرة والمستعربون من بعدهم من آثارا في المناطق التي عاشوا بها وهيمنوا عليها ؟ , هل هناك اثارا دالة على حضارة في السعودية باستثناء الحجر الأسود , وحتى في بلاد الشام الغنية جدا بآثار الحضارات لاوجود لآثار من حقبة ال ١٤٠٠ سنة الماضية , ماهو موجود كان من حقبة ما قبل القرون الأربع عشر السابقة , لذا لايمكن تفسير العنف بمفهوم صراع الحضارات , لأنه لم تكن هناك اي حضارة في هذه المنطقة في القرون الأربع عشر الأخيرة , الفتوحات والجزية والعهدة العمرية وغيرهم ليسوا من المعالم الحضارية المعترف بها , اذن لم يكن هناك صراع حضارات لأنه لم تكن في منطقة الجزيرة العربية ما تسمى حضارة .
هناك من يدعي انه للعنف الحالي اسبابا تتعلق بالواقع الجيوسياسي المغلق , الذي قاد اليه الاستعمار الغربي , الذي قاد بدوره الى اقامة الأنظمة الديكتاتورية العنيفة ,هذه الفرضية هشة جدا ,لأن فترة الاستعمار الغربي كانت مقارنة مع الاستعمار العثماني ومع الاستعمار القريشي قصيرة جدا , فرنسا بقيت في سوريا ربع قرن , في حين بقيي العثمانيون اربعة قرون , وبقي عرب الجزيرة عشرة قرون , لم يكن العثمانيون متحضرون ولم يكن عرب الجزيرة متحضرون, بينما كان وضع فرنسا مختلفا جدا , والعديد من السوريين يحنون الآن الى حقبة ربع القرن الفرنسي , لأن اول انتخابات في سوريا في القرون الأربع عشر الأخيرة كانت في الحقبة الفرنسية , وأول قانون للأحزاب ولد في الحقبة الفرنسية , ومدرستي بنيت في الحقبة الفرنسية , كما ان الماء اتى بالصنبور في الحقبة الفرنسية , كذلك الكهرباء , وبناء دار الحكومة الرائع كان في الحقبة الفرنسية , كذلك بناء البرلمان السوري كان في الحقبة الفرنسية , وفي مصر اتى نابليون بالمطبعة وجاء بالعلماء الذين اكتشفوا حجر رشيد والكثير غير ذلك , لم يبن العثمانيون مدرسة ولم يبني القريشيون مدرسة لتعليم الفيزياء والكيمياء , اهتموا فقط بتحفيظ القرآن والفقه والأمور الدينية حصرا , كما ان فترة الاستعمار العثماني وفترة الاستعمار القريشي كانتا فترات ديكتاتوريات قبيحة وعنف لامثيل له وانغلاق وضع شعوب المنطقة في حالة من الجمود , الذي لم يعرف التاريخ شبيها له.
لم تتعلم شعوب المنطقة في القرون العثمانية والحجازية القريشية اساليب الحكم في دولة , لأن المستعمر العثماني والمستعمر القريشي لم يعرف هذه الأساليب ولم تكن السلطنة دولة كذلك الخلافة القريشية , عرف الفرنسيون والبريطانيون الدولة لابل اخترعوا الدولة ,لقد كان هدف كل اهل بلاد الشام في القرن الماضي التخلص من الاستعمار او الانتداب الغربي ,ولكن تبين خلال القرن الأخير أن هذه الشعوب لم تكن متمكنة من فنون الحكم الذاتي , انخرطت الشعوب في الاقتتال والتجزئة والتفرقة وتحولت الى فقاسة لانتاج الديكتاتوريات البغيضة , الشعوب كانت مؤهلة للاستعمار حسب مالك بن نبي , اي بحاجة للاستعمار المتحضر ,الذي قد يساعد بعض الشيئ في تدريب الشعوب على ممارسة الحكم في منظومة الدولة , لم يكن بامكان السلطان سليم الأول او بامكان عمر ابن الخطاب او حتى ابن عبد الله ومن تلاهم جميعا تعليم الناس اساليب الحكم الراشدة المحترمة لحرية الانسان,طول مدة الاستعمار البدوي القريشي – العثماني قاد الى ترسيخ وتكريس قيم الحرب والعنف , ولا يزال العنف البدوي مهيمنا في هذه المنطقة حتى هذه اللحظة..!
