في مفهومها العام فكريا وسياسيا عملت العروبة المتمثلة بالبعث على نشر جنون الارتياب وجنون الاتهام ,هناك ارتياب بهذا الانسان وهناك شتى الاتهامات حتى يثبت العكس , وحتى يتمكن هذا السوري من تسوية أوضاعه مع الأمن عن طريق الدفع , فمن لايدفع يتحول خائن ومتآمر , فالأمن هو مصدر شهادات الوطنية وحسن السلوك , ثم أن مصدر النزعة الانعزالية عن العالم هو الأمن أيضا , العالم , والقصد هنا العالم الغربي , هو مصدر الشرك بالترتيبة السلطوية الأمنية , وبهذا الخصوص كان هناك توافق بين الديكتاتورية السياسية والقمعية الدينية بخصوص مايسمى الغزو أو التلوث الثقافي , فالرفاق لايريدون التلوث بالغرب مبتدع الحريات والديموقراطية , والمناهض لروح المادة الثامنة ولقضية التوريث في نظام يدعي انتسابه الى المفهوم الجمهوري , فالتلوث بأفكار الغرب خطر على منجزات الرفاق , ومسبب للكثير من وجع الرأس , الذي يجب تجنبه مهما كلف الأمر .
القمعية الدينية التي تمثل رديفا للقمعية السياسية لاتريد التلوث بالغرب أيضا , التلوث بالغرب متعب من حيث كونه محرض على مطالبة المرأة بحقوقها في المساواة , ومن حيث بدعة حقوق الانسان , فالاخوان كالرفاق لايريدون استيراد النظريات ,انما فقط السيارات والجلابيات ومواد تنشيط الفحولة الذكورية , الغرب محرض على عدم الاستقرار الديكتاتوري ـ الأصولي , الذي يشكل خطرا على الأوضاع القائمة في البلاد مثل ممارسة تعدد الزوجات , انه من طبيعة الشعوب المحترمة أن يتزوج الرجل ماطاب له من النساء , ومن الطبيعة الأشد احتراما الحرص على تحجيب المرأة وغير ذلك , ثم وضع الناس في مسحقة جهنم والجنة والجهاد تكريما لوجه الله , فالموت استشهادا في سبيل الله هو الطريق الوحيد لحياة ابدية , تقدم للمحظي بها له كل أشكال المتعة من نسوان الى غلمان الى العسل والخمور وما شابه .
تعرض حلف الرفاق مع الاخوان الى العديد من الصدمات والتعقيدات , هناك كانت الصدمة التي أتت من أوروبا الشرقية , وموجة الديموقراطية هناك في مطلع التسعينات , التي تم ابتلاعها من قبل حلف الاخوان والرفاق بسهولة , فالشعب كما قالت الرئاسة ليس مؤهلا لممارسة الديموقراطية , والديموقراطية كما يقول الاخوان ليست من صلب الشريعة , الديموقراطية الغربية تجعل الحاكم مسؤولا أمام الشعب , وتجعل الشعب مصدر السلطات , اخونجيا الله هو مصدر السلطات , والمحاسبة تكون أمام الله , وليس أمام الشعب ,لذلك كان هناك انسجام بين تلك الأطراف , مما سهل الابتلاع الى حد كبير .
الصدمة الثانية تجلت بالملل من قضية تحرير فلسطين الحبيبة جدا , خاصة بعد تلازم الادعاء بوجود القوة العسكرية , التي بامكانها محق اسرائيل من الوجود خلال 24 ساعة , ثم الهدوء العسكري لمدة اكثر من أربعين عاما , هنا سؤال عن السر في ممارسة تلك الشفقة على اسرائيل , خاصة بعد هزيمة ٦٧ وبعد مؤتمر القمة في نفس العام وبعد مقررات مؤتمر الخرطوم بلاءاته الثلاثة لاصلح ولا تفاوض ولا اعتراف , وما هو سبب التأخر والمماطلة في القضاء على اسرائيل , الجواب كان اننا نمانع ونقاوم , اي مابين بين , أي لسيت سلما وليست حربا ,والعجلة من الشيطان , بالممانعة والمقاومة يتم استنزاف اسرائيل , وبالتالي تموت اسرائيل على مرض فقر الدم !!!.
عاثت الممانعة كذبا وتلفيقا الى درجة تقزز الانسان العادي من مجرد التلفظ بمفردة “ممانعة ” , حلف الرفاق مع الاخوان ابتلع هذه القضية مستنجدا بما يفترض انه كانت لاسرائيل رغبة بالابقاء على حزب الله , أمر حماس مشابه , اسرائيل أرادت القضاء على لبنان لأنه المنازع الوحيد لها سياحيا وسياسيا , فللبنان علاقات جيدة مع الغرب , وتغطيه احتلاله سياسيا ليست بالأمر السهل , لذلك يجب السماح باقامة دولة ضمن دولة في لبنان , اذ يمثل ذلك الضمانة الأكيدة لاندثار لبنان من الداخل , وما نراه اليوم يؤكد هذا الافتراض ,بالنسبة لحماس كانت هناك رغبة اسرائيلية بالابقاء عليها تكريسا للانقسام الفلسطيني , تقديرات اسرائيل كانت في كلا الحالتين خاطئة ,لقد كبر الوحش الصغير , حتى أنه فكر بابتلاع مدجنه , هذا هو جوهر حروب هذه الأيام .
تجلت الصدمة الثالثة بكسر السيادة الاعلامية للدول العربية على يد الاعلام الفضائي أو التواصل الاجتماعي , الذي انتهك حرمة الديكتاتوريات والقمعيات السياسية العسكرية والدينية , الاعلام الفضائي فضح المستور ومكن من التواصل بين الناس بطرق آمنة لايعكرها استخدام الأسماء الحركية , الاعلام الفضائي كان المحرك الرئيسي لمحاولات التمرد الشبابي على الرفاق والاخوان , لقد ساهم هذا الاعلام في تأمين فرصا عديدة لممارسة ابداء الرأي الحر, ثم التواصل بين الناس , واذا تمكن الرفاق والاخوان من التصدي أو ابتلاع الصدمات التي تم ذكرها , فليس من المؤكد تمكنهم من ابتلاع صدمة الاعلام الفضائي أي التواصل الاجتماعي المسيطر على العقل الشبابي.