سمير صادق, جورج بنا :
نظرة تأملية على النظم العربية , مثل النظام السوداني قبل الأخير او العراقي او الليبي او غيرهم ,التي أتت على ظهور الدبابات , وأسست نظما كانت شمولية فرضت تأليه الشخص , ثم الغىت الأحزاب السياسية , أنظمة استعدت العالم من شماله الى جنوبه ومن شرقه الى غربيه خاصة الجيران , أنظمة تفجرت في وجهها ووجه رؤوسها الأزمات والكوارث والانقسامات والمطاردة من قبل محكمة الجنايات الدولية والبوليس الدولي , بالرغم من ذلك عمرت تلك النظم الشخصية عدة عقود ,حتى أن نظام أكبر الرؤوس فراغا كالقذافي عمر نصف قرن !!
لقد كان لدى الأنظمة قدرا كبيرا من امكانية المناورة خارجيا وداخليا , وفي هذا السياق كانت هناك بعض التنازلات من قبل تلك الأنظمة , التنازل الوحيد الذي لم يكن ممكنا , كان مغادرة الحكم طوعا والتفريط في السلطة , لقد كان هناك استعدادا لبيع مصالح الوطن أو تدميره أو الفتك بالشعب , حتى التجريد من السلاح كالكيماوي كان ممكنا وتم في سوريا بسرعة مذهلة , بعكس تجريد النظم من الأسلحة المخصصة للحروب الأهلية الداخلية ,٨٠٪ من اسلحة الجيش السوري وأكثر من ذلك لدى الجيش العراقي وغيرهم كانت معدة للاستعمال في الحروب الداخلية الأهلية , مصير الأسلحة الموجهة الى الخارج كان اقل أهمية بدرجات.
تؤكد القاعدة التاريخية العربية أن هذه الدول لاتتغير من الداخل , أي من خلال الثورات والانتفاضات الشعبية , لأن من عاش ١٤٥٠ سنة تحت حكم الخلافة أو السلطنة لم يكون وعيا وطنيا , الاستعمار لايعلم شعوب مستعمراته ثقافة الوطنية ناهيكم عن ثقافة الثورة , ثم أنه لا وجود في قاموس الأنظمة العربية لما يسمى تنازل طوعي عن السلطة تحت أي ظرف او حالة كانت , وذلك تيمنا بالتراث والممارسات التي سادت طوال ١٤ قرنا من الزمن, فطوال تلك المدة لم يتنازل اي خليفة او اي سلطان عن كرسيه طوعا , أشهر حديث قيل في هذا الخصوص كان ” يا عثمان إن الله عسى أن يلبسك قميصا فإن أرادك المنافقون على خلعه فلا تخلعه حتى تلقاني” !, التغيرعلى مستوى السلطة حدث من خلال انقلاب عسكري أو تدخل خارجي مسلح , كما كان الحال في العراق وليبيا وغيرهم , بالرغم من تغير العالم علما وانتاجا وصناعة وسياسية وثقافة , ظلت النظم العربية مستعصية على التغيير بطرق شعبية أو ديموقراطية , ” اعراس الديموقراطية ” في الانتخاب أو الاستفتاء كانت التزويرات وبالتالي تحولها الى تأبين وجنازة للحقيقة والنظافة والشفافية والاستقامة ,والى مأتم وتهريجية في نفس الوقت , ماهي أسباب استعصاء هذه الأنظمة الشمولية على آليات التغيير الداخلية كالتظاهر أو التمرد أو العصيان المدني أو الثورة الشعبية الخ ؟
أحد أهم تلك الأسباب كانت ثقافة الطاعة , طاعة السلطان أو الوالي كانت فرضا دينيا , وقد جاء في توصيف هذه الحالة على لسان عبد الرحمن الكواكبي قوله ” العوام هم قوة المستبد وقوته , عليهم يصول ويجول , يأسرهم فيتهللون لشوكته , ويغصب أموالهم فيحمدونه على ابقاء الحياة , ويهينهم فيثنون على رفعته , ويغري بعضهم على البعض فيفتخرون بسياسته , واذا أسرف في أموالهم يقولون كريما , واذا قتل منهم ولم يمثل بهم يقولون رحيما ,يسوقهم الى خطر الموت فيطيعونه , وان نقم عليهم بعض الأباة قاتلوهم كأنهم بغاة.
ولد الاستبداد من رحم “الانصياع” الذي يعتمد على الطاعة وليس على القناعة , الطاعة عمياء بطبيعتها , تلغي عقل المطيع وتحذف ارادته التي تحتلها عندئذ ارادة الاستبداد , وبالتالي يتم اختذال العقل , الذي لامهمة له في ظل الاستبداد , اختزال العقل يعود بالمخلوق البشري الى حالته الحيوانية , التي تتمثل بممارسته لغرائزه والحفاظ على وجوده الفيزيائي , الذي تضمنه قناة الهضم, أي التحول الى مخلوق ” المعلف “, فالمخلوق البدائي يتحول الى مايشبه القناة , حيث يدخل العلف من جهة وتخرج الفضلات من جهة أخرى ,يتحول المجتمع في هذه الحالة الى الجمود والسكون والطفيلية , من يسير في هذا الطريق طوعا أو قسرا سيصل الى العدم والاندثار , انها حتمية لامناص منها !.
تشييئ الانسان كان من أهم أسباب تكريس الاستبداد والطغيان , التشييئ يسهل للطغاة البطش والفتك بالقطيع , لاقيمة تذكر للانسان , انه بقيمة الشيئ التافه الرخيص, خسارة الانسان تحت التعذيب مثلا هي خسارة للأشياء , هكذا تحولت قيمة الانسان الى أقل من قيمة الرصاصة التي تخترق رأسه.
من أهم ميزات الطغاة العرب , ميزة التوحش والحيونة مع انعدام أي سقف للبربرية , الفتك بالبشر ضرورة أمنية , استسهال رجم الزانية كاستسهال رجم المعارض او المتمرد , لذلك يتردد البعض في تعريض حياتهم للخطر من أجل وطن ليس بالوطن , من أجل سجن كبير ,من أجل حديقة حيوانات بحجم الوطن , الانسان السوري متهم ولاديا, أي فورا بعد ولادته, وعليه في ماتبقى من حياته عبادة اله الأرض والتملق له الى جانب التفاخر بممارسة الانصياع والطاعة , الانسان السوري يولد ويموت في نفس اللحظة , لايعرف التاريخ الخلافي العربي والعثماني ثورة شعبية واحدة , أما بين ١٩٢٠ و١٩٣٠ فقد كانت هناك في سوريا عدة ثورات على الانتداب الفرنسي , حتى قبل التعرف على نتائج هذا الانتداب, من الصعب ممارسة العصيان والثورة على جمال باشا السفاح لأنه مؤمن وظل الله على الأرض ,الأمر بالنسبة لفرنسا كان مختلفا بسبب الدين ومفهوم الولاء والبراء الملزم للمؤمنين !
هناك خللا كبيرا في ادراك العموم لمفهوم الدولة والسلطة , فالدولة وجدت لتبقى , أما السلطة فوجدت لتزول , وبؤس الشعوب يتمثل في العكس , السلطة وجدت لتبقى , بينما لامانع من زوال الدولة , وحتى ولو بقيت السلطة بدون دولة , وجدت السلطة لخدمة الدولة , بينما يعتبر بؤس العرب الدولة خادمة للسلطة ,الدين وجد لخدمة الانسان , بينما عموم هذه الشعوب يعتبر الانسان خادما للدين , وهل يحتاج القادر على كل شيئ الى خدمة أو مساعدة ؟ ,السلطة تابعة للدولة , بينما يعتبر العموم الدولة تابعة للسلطة ,انها دولة السلطة وليست سلطة الدولة , بشكل عام يعاني المفهوم الشعبي للدولة والسلطة من الالتباس , لايريد الناس اقتلاع السلطة عندما تكون السلطة هي الدولة , والسلطة ترى بأنها الدولة , عندما تعتبر محاولة اجتثاثها هي محاولة لاجتثاث الدولة , هناك تماهي بين الدولة والسلطة , وعدم ادراك للفروق بين الدولة والسلطة .
هناك حقيقة العديد من العوامل الأخرى , التي ساهمت في استعصاء الأنظمة على آليات التغيير الداخلي , فالتراث بمجمله ديني وطوال ١٤٥٠ سنة لم تكن هناك سوى دولة السلطة وواقعيا لم تكن هناك دولة , الحال لم يتغير لحد الآن , أي لازالت الشعوب تعيش بدون دولة في زريبة السلطة
Post Views: 615